ربّيتُ ابنَ أعزّ أصدقائي كأنه ابني
ربيت ابن أعز أصدقائي كأنه ابني. وبعد اثني عشر عاما قالت لي زوجتي
ابنك يخفي عنك سرا كبيرا ويجب أن نتخلى عنه فورا!
نشأت في دار للأيتام ولم يكن في حياتي شخص وقف إلى جانبي بصدق سوى صديقتي نورا. منذ البداية كنا اثنين فقط نتشبث ببعضنا لأننا لم نملك في هذا العالم أحدا غير بعضنا.
حتى بعدما أخذتنا الحياة إلى مدن مختلفة لم نفترق يوما. لم تكن نورا مجرد صديقة بل كانت أختي بكل معنى الكلمة.
ثم قبل اثني عشر عاما انهار كل شيء في لحظة واحدة.
تلقيت اتصالا من المستشفى.
كانت نورا قد توفيت في حادث سير.
أما ابنها ذو العامين ليو فقد نجا.
أسرعت إلى المستشفى فورا.
كان ليو جالسا على سرير أبيض صغيرا تائه النظرات يمسك بالملاءة بيديه الصغيرتين غير مدرك أن والدته لن تعود أبدا.
لم يكن لنورا أي عائلة ولم تتحدث يوما عن والد ليو سوى مرة واحدة قالت فيها إنه توفي وهي حامل.
أتذكر أنني أمسكت يد ليو الصغيرة وفي تلك اللحظة دون أي تردد عرفت ما يجب أن أفعله.
في اليوم نفسه طلبت
ثم أخذت ليو إلى منزلي.
كانت البداية قاسية.
كان يبكي شوقا لأمه وكنت أبكي معه. حزنا معا وتعلمنا معا كيف نعيش من جديد.
ومع مرور الوقت خطوة خطوة أصبحنا عائلة.
مرت اثنتا عشرة سنة أسرع مما تخيلت.
كبر ليو وصار محور حياتي كلها.
قبل عام واحد التقيت أميليا.
كانت لطيفة دافئة وحنونة وتعلق بها ليو من اللحظة الأولى. عاملته كأنه ابنها فعلا.
تزوجنا وللمرة الأولى في حياتي شعرت أن البيت صار كاملا.
ثم في إحدى الليالي وبعد يوم طويل ومرهق من العمل ذهبت إلى النوم مبكرا.
قرب منتصف الليل شعرت بمن يهز كتفي.
فتحت عيني لأرى أميليا واقفة بجانب السرير. كان وجهها شاحبا وشعرها مبتلا يلتصق بجبينها وأنفاسها سريعة ومضطربة.
كانت تمسك شيئا بيديها لكن الظلام منعني من تمييزه.
همست بصوت مرتجف
أوليفر استيقظ. يجب أن تستيقظ الآن.
تسارع نبض قلبي.
ماذا هناك
جلست على حافة السرير ويداها ترتجفان كأن البرد اخترق عظامها رغم أن الغرفة كانت دافئة. ظلت صامتة
وجدت شيئا كان ليو يخفيه عنك منذ سنوات.
ترددت ثم أضافت وهي تمد يدها
انظر. لا يمكننا الاحتفاظ به. يجب أن نتخلى عنه فورا.
حين ركزت أخيرا على ما كانت تريني إياه تجمدت في مكاني.
شعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدمي وكأن الهواء صار أثقل من أن يستنشق.
كررت أميليا بصوت متهدج
لا يمكننا الاحتفاظ به لا يمكن.
لم تكن الكلمات منطقية.
لم أفهم عم تتحدث ولا لماذا بدت خائفة إلى هذا الحد كأنها تحمل قنبلة لا دفترا.
ناولتني ما كانت تمسكه.
دفتر صغير مهترئ الحواف كأنه نقل كثيرا وخبئ أكثر مما ينبغي.
بين صفحاته ظرف مطوي بعناية.
ارتجفت يداي وأنا أفتحه ليس خوفا مما قد أجد بل خوفا مما قد أفهمه.
كانت هناك رسومات.
صفحات كثيرة امتلأت بخط طفل يكبر مع الزمن.
في البداية خطوط متعثرة ثم أشكال أوضح ثم تفاصيل أدق.
رسومات لي وليو.
نمسك بأيدي بعضنا.
أنا أعلمه ركوب الدراجة.
نجلس معا على الأريكة.
نضحك.
نبدو عائلة.
ثم بدأت الكلمات.
أعرف أن أبي ليس أبي الحقيقي.
سمعته يبكي مرة.
أنا لا أشبهه.
أظن أن أبي الحقيقي ما زال حيا.
انقبض صدري.
لم أشعر بألم جسدي بل بشيء أعمق كأن قلبي ضاق فجأة على كل ما كان يتسع له.
داخل الظرف رسالة.
رسالة من ليو.
مكتوبة ببطء بحذر كأن كل كلمة كانت تحتاج شجاعة إضافية.
إن وجدت هذه الرسالة فهذا يعني أنني شجاع بما يكفي لأقول الحقيقة.
وجدت أشياء أمي القديمة.
كان هناك اسم في ورقة.
بحثت عنه.
لم يمت.
لم أرد أن أؤذيك.
أنت اخترتني حتى حين لم يكن عليك أن تفعل.
وإن جاء يوم والتقيته أريدك أن تعرف
أنت أبي الحقيقي.
لم أستطع التنفس.
غشت الدموع الكلمات حتى تلاشت لكن معناها ظل ثابتا حاضرا يضغط على صدري.
كانت أميليا تبكي هي الأخرى.
قالت بصوت مكسور
ظننت ظننت أنه يخطط للرحيل. أو أن أحدا سيأتي ليأخذه.
نهضت دون وعي وكأن جسدي تحرك قبل أن أقرر.
توجهت مباشرة إلى غرفة ليو.
كان مستيقظا.
جالسا على سريره وظهره مستقيم أكثر مما ينبغي لطفل في
ينتظر
كأن النوم لم يعد يعرف الطريق إليه منذ زمن.
قال قبل أن أنطق بصوت أهدأ من