الجـده الحكيمه…والولد الصالح كامله اسما
انسحابا بطيئا للموت كأن يدا غير مرئية سحبت ستارة سوداء كانت ثقيلة على ملامحه الصغيرة الشفاه المزرقة مالت إلى وردي خافت وأصابع يده المتصلبة بدأت ترتخي قليلا قليلا
الأجهزة التي كانت تصرخ قبل لحظات تغير صوتها لم تصبح هادئة تماما لكنها صارت أقل فزعا أقل هستيريا كأنها هي الأخرى تفاجأت بأن الجسد الصغير قرر ألا يستسلم
اقتربت الدكتورة مي من السرير عيناها غير مصدقتين وضعت السماعة استمعت ثم أعادت الاستماع وكأنها تخشى أن تفرح مبكرا
وبصوت منخفض لكنه واضح قالت
النبض أبطأ بس منتظم
والضغط بدأ يتحسن
الطبيب اللي من شوية كان ماسك آدم من ياقة الجاكيت سابه من غير ما يحس إيده نزلت تلقائي وعينه اتسمرت على شاشة المونيتور الابتسامة الساخرة اللي كانت مرسومة على وشه من دقيقة واحدة اختفت وسابت مكانها ملامح إنسان اتعرى قدام حقيقة تقيلة العلم اللي حافظه عن ظهر قلب مش دايما بيكفي لوحده
هشام السويفي الراجل اللي عمره ما خسر صفقة واللي دايما كان بيقيس الدنيا بالأرقام والنسب وقف في نص الغرفة حاضن ابنه دماغه كانت شغالة بسرعة غريبة عليه تفاصيل كانت مبعثرة بدأت تترتب النبات الأصيص التلات
لف هشام بعينه على الموجودين وصوته طلع أجش مش صوت رجل أعمال صوت أب كان على وشك يخسر ابنه
شيلوا النبات دلوقتي
الجنايني عم رجب اتحرك إيده بترتعش وهو يقرب من الأصيص لكن صوت طبي حاد وقفه
لأ! محدش يلمسه بإيده! قفازات عزل فورا!
في لحظة الجو اتقلب من فوضى يأس لفوضى أمل الأطباء بقوا يتحركوا بنوع سرعة مختلف مش سرعة إنقاذ متأخر لكن سرعة سباق مع وقت لسه ممكن يكسبوه واحد شال النبات بحذر واحد تاني بدأ إجراءات إزالة سموم مكثفة والتالت فتح ملف جديد على الأجهزة والعنوان ظهر لأول مرة بوضوح
تسمم ديجيتاليس
وآدم
آدم كان لسه واقع على الأرض ضهره لازق في الرخام البارد نفسه مقطوع جاكيته متوسخ وركبته بتوجعه من الوقعة لكن عينه ما كانتش بتسيب السرير صدر الطفل وهو بيطلع وينزل وكل اللي جواه دعاء واحد صامت
عيش عشان أطلع من هنا مش قاتل
عدى وقت محدش عارف قد إيه في اللحظات دي الزمن بيبقى مطاط يتمدد وينكمش حسب الخوف لحد ما الطبيب الكبير نفس اللي كان أول واحد نطق بكلمة بيحتضر
لو التشخيص ده اتأخر دقيقة كمان كنا خسرناه
الكلام نزل تقيل على هشام بس استقبله وهو باصص لابنه شاف صدره وهو بيعلى وينزل شاف الحياة وهي متعلقة فيه بإصرار وحس بحاجة عمره ما حسها في أي اجتماع مجلس إدارة امتنان
لف هشام وبص لآدم الولد اللي من شوية كان بيتسحب كأنه مجرم وقال بصوت عالي سمعه الكل
محدش يمسكه سيبوا الولد
ساعدوه يقف
آدم وقف بتردد رجليه مش شايلينه مش من الوجع ولا من التعب لكن من صدمة اللحظة نفسها هشام قرب منه وقف قدامه وبص له من فوق لتحت شاف الجاكيت الخفيف الحذاء المقطوع والعينين اللي شايلين حاجة أكبر من سنها وقال بهدوء ما كانش متعود عليه
اسمك إيه
آدم قالها بصوت واطي
آدم كررها هشام كأنه بيثبت الاسم في ذاكرته
إنت أنقذت ابني
آدم ما عرفش يرد حس إن أي كلمة هتخونه هز راسه بس والدموع نزلت غصب عنه دموع خوف متأخر مش دموع بطولة
في الأيام اللي بعدها القصر اتغير مش في شكله لكن في روحه التحقيقات بدأت النبات اتأكد إنه سام وإن الزيت بتاعه بينتقل بسهولة لأي سطح وإن غلطة صغيرة في مكان غلط
هشام استدعى آدم وأبوه السائس اللي طول عمره ماشي برأسه في الأرض قعدهم قدامه في المكتب المكتب اللي عمرهم ما دخلوه غير وهم واقفين وقال جملة بسيطة بس قلبت حياتهم
من النهارده مفيش ابن السائس
آدم طالب وأنا هتكفل بتعليمه
الأب حاول يعترض الخوف القديم طلع في صوته لكن هشام وقفه بإشارة وقال
اللي عمله ابنك ما يتردش بفلوس بس أقل حاجة أعملها إني أدي له فرصة
السنين عدت ياسين كبر عاش وضحك
وآدم دخل مدرسة كويسة وبعدها كلية وكل ما حد سأله عايز تطلع إيه
كان يرد
دكتور بس مش أي دكتور
دكتور يسمع
أما هشام السويفي فكل ما يشوف ابنه بيجري في الجنينة يفتكر الليلة اللي كان ممكن يخسره فيها يفتكر الولد اللي صرخ والكل ضحك ويبتسم ابتسامة مختلفة ابتسامة واحد اتعلم إن الحكمة ساعات بتطلع من أماكن ما حدش بيبصلها
الأصيص اللي كان على الشباك اختفى من زمان
لكن حكاية آدم فضلت
حكاية بتتقال لكل واحد فاكر إن الصوت العالي بس هو اللي بيغير العالم
مع إن أحيانا
صرخة واحدة صادقة
من
تنقذ حياة
وتفضح غرور
حكايات اسما