كان في الثمانين من عمره وكنت أظن أنني لن أكون أكثر من امرأة جاءت لتعتني به
عن شبابه عن أوروبا عن المدن التي زارها مهندسا عن الجسور التي صممها والبيوت التي أشرف على بنائها.
استمعت إليه بانبهار كطالبة منصتة بينما كانت السكين تنزلق بهدوء فوق قشر البرتقال. سألني فجأة
هل تعرفين ما هو أصعب ما في بلوغ سني
أجبته بفضول صادق
ماذا
قال
أن ينظر إليك الجميع وكأنك لم تعد سوى قصص قديمة قطعة تحتاج إلى تنظيف لا إلى إنصات.
صمت قليلا ثم أضاف
لكن القصص إن لم ترو تموت.
في تلك اللحظة أدركت شيئا بسيطا وخطيرا في آن واحد لم يكن بحاجة إلى ممرضة بقدر حاجته إلى شاهد. شخص يؤكد له أن حياته لم تكن مجرد ماض منتهي الصلاحية.
مع مرور الأيام بدأت علاقتنا تتعمق. صرت أقرأ له الصحف بصوت عال لا الأخبار فقط بل المقالات الطويلة التي يتوقف عندها ويعلق عليها ويقارن بين ما كان وما صار. أحيانا كان يطلب مني
أما أنا فقد بدأت أكتشف أشياء عن نفسي لم ألتفت لها منذ سنوات. صبري عاد صوتي صار أهدأ وضحكتي ضحكتي التي كنت أظنها اختفت عادت تظهر دون استئذان.
في أحد الأيام سألني فجأة دون مقدمات وكأنه كان ينتظر اللحظة المناسبة منذ زمن
لورا هل أنت سعيدة
تفاجأت بالسؤال. لم يكن من تلك الأسئلة العابرة التي تطرح لملء الصمت بل سؤالا ثقيلا سقط في صدري دفعة واحدة. نظرت إليه ثم إلى يدي كأن الإجابة مختبئة هناك. لم أجب فورا. مرت ثوان شعرت فيها أن عمري كله يمر أمامي. ثم قلت بصوت خافت
لا أدري كنت أظن أن السعادة مرحلة انتهت مثل شيء نمر به مرة واحدة ثم نمضي.
هز رأسه ببطء لا اعتراضا ولا شفقة بل فهما. قال بهدوء يشبه الحكمة التي لا تحتاج إلى شرح
السعادة ليست
توقفت عند الكلمة طويلا. انتباه. لم يقل امتلاك ولا إنجاز ولا ضحك. قال انتباه. كأن السعادة ليست شيئا نبحث عنه بل شيئا نلاحظه عندما نكف عن الركض.
كلماته لم تغير حياتي دفعة واحدة لم تحل مشاكلي ولم تعد زوجي أقرب ولم تجعل البيت أقل فراغا. لكنها أعادت ترتيب شيء ما في داخلي بهدوء كما يعاد ترتيب غرفة دون ضجيج. لم يعد عملي معه مجرد مصدر دخل أتشبث به خوفا من الغرق بل مساحة أتنفس فيها دون أن أبرر وجودي.
كنت أجلس وأصغي لا لأن هذا واجبي بل لأنني أريد. أتمهل في تحضير الشاي أقرأ له ببطء أترك الصمت يأخذ مكانه دون أن أخشاه. أدركت أنني دون أن أشعر بدأت أستعيد أجزاء مني كنت أظنها ميتة قدرتي على الإصغاء الحقيقي على التمهل دون شعور بالذنب على الإحساس بأن وجودي ما زال له وزن حتى لو لم
وفي يوم ما بينما كنت أساعده على الجلوس قرب النافذة كانت الشمس تميل نحو الغروب ويغمر الضوء وجهه المتعب بلطف. قال بهدوء وكأنه يحدث نفسه أكثر مما يحدثني
أتعلمين أظن أن روزا لم تتدخل هذه المرة عبثا.
ابتسمت وفهمت ما لم يقال. بعض اللقاءات لا تأتي لأننا خططنا لها بل لأن الحياة قررت أن تضع شخصين في الطريق نفسه في اللحظة نفسها حين يكون كلاهما بحاجة إلى الآخر أكثر مما يعترف.
في تلك اللحظة أدركت أنني لم أكن أنقذه من وحدته فقط كما لم يكن هو يملأ فراغ وقتي. كنا دون اتفاق ننقذ شيئا أعمق شعورنا بأننا ما زلنا مرئيين مسموعين قادرين على التأثير.
ولو عاد بي الزمن لما قلت إنني اعتنيت برجل في الثمانين من عمره.
بل لقلت التقيت إنسانا في خريف حياته أعادني بهدوء إلى ربيع نفسي وذكرني أن بعض القلوب لا تشيخ