سأضع الطين على عينيك… ولن تبقى أعمى بعد الآن… وما حدث بعدها غيّر كل شيء

لمحة نيوز

لماذا سمحت له
سأله الطبيب 
نظر مارسيلو إلى فيليبي النائم بملامح هادئة لم ير مثلها منذ سنوات 
لأنه ابتسم
قال بهدوء
أردت فقط أن أراه يبتسم 
بعد رحيل الطبيب انهارت ريناتا على طاولة المطبخ 
اعترفت بأنها لم تعد تحتمل العلاجات الوهمية نظرات الشفقة من الأطباء وأسئلة فيليبي البريئة عن سبب عدم قدرته على الجري مثل بقية الأطفال أو عن شكل السماء الزرقاء 
اتهمت مارسيلو بالغياب وبالهروب إلى العمل كي لا يواجه الألم 
لم يستطع الدفاع عن نفسه 
كانت محقة 
ثم وكأنه استسلام أخير قال 
غدا سأخذه إلى الحديقة مرة أخرى 
في الصباح كانت الحديقة مبللة بندى خفيف والهواء يحمل رائحة الأرض بعد ليلة طويلة من القلق دفع مارسيلو كرسي فيليبي ببطء كأن كل خطوة اعتراف صامت بتقصيره لم يتحدثا كثيرا كان فيليبي صامتا على غير عادته لكن ابتسامته الصغيرة لم تختف 
هل سيأتي دافي
سألها بصوت خافت وكأنه يخشى أن يسمع الجواب 
لا
أعرف
قال مارسيلو بصدق
لكننا سننتظر 
جلسا في المكان نفسه مرت عشر دقائق ثم عشر أخرى بدأ قلب مارسيلو يثقل وشعر بالذنب يتسلل مجددا ربما كان كل هذا قسوة غير ضرورية ربما وعد طفل فقير لا يملك شيئا سوى الخيال 
وقبل أن يقرر الرحيل سمع صوت خطوات خفيفة فوق الحصى 
قلت لك إنني سأعود 
كان دافي واقفا أمامهما يحمل الكيس القديم نفسه لكن وجهه كان أكثر شحوبا وعيناه متعبتان ابتسم فيليبي فورا وكأن اليوم كله أشرق في تلك اللحظة 
كنت خائفا أنك لن تأتي
قال فيليبي 
لا أترك شيئا أبدأه
أجاب دافي بجدية تفوق عمره 
راقب مارسيلو المشهد بحذر هذه المرة جلس قريبا يراقب كل حركة عندما بدأ دافي يضع الطين مجددا لم يشعر فيليبي سوى بالبرودة نفسها والطمأنينة نفسها 
أبي
قال فجأة 
أشعر وكأن العالم أهدأ 
ابتلع مارسيلو ريقه لم يكن هذا وهما بصريا بل حقيقة نفسية لا يمكن إنكارها كان ابنه أقل توترا أقل خوفا وكأن أحدا أخيرا عامله
كطفل لا كحالة طبية 
مرت الأيام عاد دافي كل صباح لم يحدث أي تحسن طبي لم تظهر معجزة لكن شيئا آخر تغير 
فيليبي صار يتحدث أكثر يسأل يضحك صار يطلب من أبيه أن يصف له الأشياء شكل الشجرة لون السماء حركة الناس لأول مرة جلس مارسيلو معه فعلا لا هاتف لا مكالمات فقط وصف ووقت 
في الأسبوع الثاني لاحظ مارسيلو أن دافي لم يعد يأكل شيئا أثناء الجلسات سأله ذات يوم 
ألا تفطر
تردد الصبي ثم قال ببساطة 
أترك الطعام لأختي هي أصغر 
صمت مارسيلو طويلا في اليوم التالي أحضر حقيبة طعام صغيرة ووضعها بجوار دافي دون تعليق لم يرفضها 
في نهاية الأسبوع الثالث تغيب دافي 
انتظرا طال الانتظار بدأ القلق ينهش فيليبي 
ربما مرض
قال مارسيلو محاولا الطمأنة 
لكن اليوم التالي مر بلا أثر له أيضا 
وفي الثالث لم يحتمل مارسيلو 
سأل حارس الحديقة ثم الباعة حتى دله أحدهم على كوخ صغير قرب ضفة النهر 
ذهب هناك وحده 
وجد
دافي جالسا عند الباب يمسك بكيس الطين وعيناه حمراوان 
جدي مات
قالها دون مقدمات 
جلس مارسيلو بجواره لأول مرة بلا أقنعة 
آسف
قال بصدق 
هو من علمني الطين
أكمل دافي
قال إن الناس لا تحتاج دائما للشفاء أحيانا تحتاج لمن يصدقها 
فهم مارسيلو في تلك اللحظة كل شيء 
في اليوم التالي عاد دافي أكمل العلاج حتى نهاية الشهر كما وعد 
وفي اليوم الأخير سأل فيليبي 
هل سأرى الآن
توقف الزمن 
نظر مارسيلو إلى دافي ثم قال بهدوء 
لا يا حبيبي لكنك عشت هذا الشهر أفضل مما عشت سنوات 
ابتسم فيليبي 
هذا يكفي 
بعدها بأسابيع فعل مارسيلو ما لم يفعله في حياته كلها 
باع جزءا من شركته 
أسس مركزا صغيرا للأطفال ذوي الإعاقات البصرية ليس للعلاج بل للعيش للتجربة للضحك للوقت 
وعين دافي حين كبر قليلا مساعدا فيه ليروي قصته للأطفال 
لم ير فيليبي النور يوما 
لكنه علم أباه كيف يراه 
أما
الطين
لم يكن سحرا 
كان فقط ذريعة ليبدأ كل شيء

تم نسخ الرابط