فتاة ترسل رسالة إلى رقمٍ خاطئ: «إنهم يعـتدون على أمي»
كان المنزل صغيرًا، متواضعًا، ذا طابقين. نوافذه غارقة في الظلام، باستثناء ضوء متقطع في الطابق العلوي. الباب الأمامي كان مواربًا… وتلك التفصيلة وحدها كانت كافية لأن تُوقظ داخله إنذارًا قديمًا.
دخل.
اصطدمت به العرق والحديد، ثم سمع الصوت: أنين امرأة، مختنق، يتخلله سبٌّ غاضب، ولهاث رجلٍ فقد آخر خيوط السيطرة. صعد الدرج ببطء حذر، كل درجة تقرّبه من شيءٍ لا يريد أن يعترف باسمه.
في نهاية الممر، كانت الغرفة مفتوحة.
رأى الرجل أولًا: ضخم الجثة يمسك امرأة
وعند الزاوية، خلف خزانة خشبية مائلة، كانت طفلة صغيرة.
لم تلحظه. كانت تضغط الهاتف إلى صدرها كأنه درعها الوحيد، شفتاها ترتجفان، ودموعها تنساب في صمتٍ كامل. كانت أصغر مما تخيّل… صغيرة إلى حدٍ جعل قلبه ينقبض. في عينيها ذاك الخوف النقي الذي لا يعرف الادّعاء.
تجمّد ماتيو لثانية واحدة فقط.
ثم تحرّك.
لم يكن ما فعله بطوليًا
ألقى نظرة سريعة للتأكد من أن الخطر انتهى، ثم جثا بجوار المرأة. خلع معطفه وضغط به على الجرح في رأسها.
— أنا هنا… انتهى الأمر. أنتِ بأمان الآن.
خرج صوته على غير عادته؛ هادئًا، ثابتًا، يحمل نبرة لم يستخدمها منذ عقود.
تحركت الطفلة ببطء، كأنها تخشى أن يكون ما تراه وهمًا. نظرت إليه، ثم إلى أمها، ثم عادت بعينيها إليه من جديد.
— أنت… أنت من ردّ على رسالتي؟
أومأ برأسه.
— نعم.
— قلتَ إنك قادم…
— وقد جئت.
ارتجفت شفتاها، لكنها لم تبكِ. فقط جلست قرب أمها، تمسك يدها بكلتا يديها، وكأنها تمنع الحياة من الإفلات منها.
وصلت الشرطة والإسعاف بعد دقائق. دقائق قصيرة، لكنها بالنسبة
عندما حمل المسعفون المرأة إلى النقالة، حاولت الطفلة أن تتبعهم، فأوقفها أحدهم بلطف.
— ستأتين معنا، لكن انتظري قليلًا.
التفتت حولها، ثم اندفعت فجأة نحو ماتيو، وتعلّقت بساقه كما لو كان عمودًا أخيرًا في عالم ينهار. عند تلك اللحظة، شعر بشيء ينكسر داخله.
— اسمي لينا، — قالت بصوتٍ خافت — شكرًا لأنك أتيت… لو لم تفعل…
لم تكمل الجملة.
انحنى أمامها، ولم يعد يهتم إن رآه أحد على هذه الهيئة.
— الشجاعة كانت شجاعتكِ أنتِ، — قال — أنا فقط أجبت النداء.
في المستشفى، جلس في الممر الطويل، تحت أضواء بيضاء قاسية. اشترى للطفلة عصيرًا من آلة قديمة، وربط لها منديلًا ورقيًا حول معصمها ليشغلها عن الخوف. لم يسأله أحد عن اسمه الكامل، ولم يعرّف نفسه بصفته. كان، وللمرة الأولى منذ
خرجت الممرضة بعد وقتٍ وأخبرته أن حالة الأم مستقرة.
— هل أنت قريبها؟
تردد. ثم نظر إلى لينا، التي كانت قد غفت أخيرًا، رأسها على المقعد.
— ليس بالدم، — قال — لكنني سأكون.
ترك رقم هاتفه الحقيقي، دون لقب أو صفة، وطلب أن يُسلّم للأم عندما تستيقظ.
مع بزوغ الفجر، خرج من المستشفى. كانت المدينة تستيقظ ببطء: عمّال، طلاب، أمهات يحملن حقائب. عالم عادي… عالم لم يعد يشعر أنه منفيٌّ عنه.
رن هاتفه.
رسالة قصيرة:
«ماما تسأل عنك. تقول: الرجل الذي أعادنا للحياة.»
أغمض ماتيو عينيه لثوانٍ، ثم كتب:
«قولي لها إنكما من أنقذني أيضًا.»
قاد سيارته بلا وجهة محددة. لم يعد إلى مكتبه، ولم يعد إلى الرجل الذي كانه. في المرآة، لم يرَ المدير، ولا الاسم الذي بناه من الخوف والصفقات، بل رأى أخًا تأخر مرة… لكنه هذه المرة وصل.
وفي أعماقه، للمرة الأولى منذ خمسة وعشرين عامًا،
بل صارت بداية مؤجلة… وجدت طريقها أخيرًا.