اشترت أمٌّ أرملة أرضًا قديمة لم يكن أحد يريدها… لكن حين حفرت لزراعة الذرة، اكتشفت سرًّا غيّر كل شيء
لتحمي طفلتها بينما الخوف بداخلها يهمس بالحقيقة.
ثم جاء الصباح الذي تغير فيه صوت الأرض.
نزلت تيريزا إلى الحفرة وقد صارت عميقة حتى كادت تختفي داخلها.
غرست المعول وشعرت بشيء مختلف.
ليست مقاومة بل استسلام.
حفرت ثانية فوجدت التربة رطبة.
ارتجفت.
صرخت في آنا أن تبتعد ليس بصوتها بل بروحها.
وحين واصلت الحفر سمعته.
لم يكن ريحا ولا حشرة ولا وهما.
كان همسا حيا.
ماء.
في البداية خرج ببطء كدمعة خجولة ثم كأن الأرض زفرت أنفاسها المكبوتة اندفع الماء صافيا باردا حقيقيا.
غمرت ساقيها وبللت ثيابها ولم تصدق.
سقطت على ركبتيها وضحكت وبكت في آن واحد تغرس يديها في الطين كمن يلمس معجزة ليطمئن أنها ليست حلما.
آنا لدينا ماء.
اقتربت الطفلة بعينين متسعتين وسألت من أين جاء.
نظرت تيريزا إلى السماء وقالت الحقيقة الوحيدة التي شعرت بها
من الله.
تلك الليلة لم تنم.
جلست تراقب العين تتدفق بلا توقف.
رأت في خيالها حقولا خضراء وحيوانات تشرب وذرة تنمو حيث لم يكن سوى تشققات.
لكنها فكرت أيضا في النساء اللواتي يحملن الصفائح وفي الأطفال العطشى وفي سؤال أثقل من الذهب
هل البركة تحتكر أم تقسم
لم تعلن تيريزا اكتشاف العين.
لم تقف في ساحة القرية ولم ترفع صوتها بالبشارة.
اختارت
بدأت تعمل كما اعتادت بهدوء امرأة لا تعرف التباهي. حفرت قنوات صغيرة وجهت الماء بعناية وسقت الأرض التي طالما قاومتها. خلال أيام خرج الأخضر من العدم هشا أول الأمر ثم أكثر ثقة. بعد أسبوعين صارت الحديقة تنبض بالحياة. وبعد شهر غدت بقعتها الواحدة التي تكسر لون الصحراء وتعلن أن المستحيل يمكن أن يراجع نفسه.
تغيرت النظرات.
العيون التي سخرت بالأمس صارت تتوقف طويلا عند السياج.
لم تعد الضحكات مسموعة بل دهشة مشوبة بالحذر كأن القرية كلها تخشى أن تكون الحياة خدعة عابرة.
كانت أول من اقترب امرأة عجوز معروفة بحدتها وكبريائها. وقفت عند السياج ولم تعرف كيف تبدأ. سألت أخيرا عن الماء عن سره عن مصدره.
كان بإمكان تيريزا أن تساوم أن تبيع أن تسترد الإهانة بثمن. لكنها رأت آنا تلعب قرب العين وتذكرت ليالي الخوف والجوع. فأجابت ببساطة حفرت عميقا فوجدت.
حين عرض عليها المال هزت رأسها.
وحين همت المرأة بالانصراف نادتها تيريزا وقالت إن الماء ليس للبيع. من يحتاج فليأت بما لديه فلن يموت أحد عطشا ما دام النبع جاريا.
انتشر الخبر كما تنتشر النار في الهشيم.
جاء واحد ثم اثنان
بعضهم جاء بخجل بعضهم بدموع وبعضهم بريبة لا تزال تؤمن أن الخير يخفي فخا.
استقبلتهم جميعا بالجملة نفسها هناك ما يكفي.
مع الماء عادت الحياة.
ومع الحياة عاد شيء أصعب الاحترام.
بكت المرأة العجوز ذات يوم وهي تعترف بقسوتها السابقة. لم تحمل تيريزا ضغينة. كانت تعرف أن اليأس يجعل البشر قساة. ومنذ تلك اللحظة تحولت الخصومة إلى تحالف وصارت الأيدي التي كانت تشير بالسخرية تمتد بالمساعدة.
وفي ذلك الزمن المتحول دخل أنطونيو المشهد.
رجل موسوم بالشمس تحمل يداه آثار العمل لا العنف. جاء يشكر لكنه لم يكتف بالكلمات. ترك مؤنا وبذورا وأدوات وعاد في اليوم التالي والذي بعده. أصلح علم وساعد بلا طلب. أحبته آنا سريعا وابتسمت له روزا كما لو عرفته منذ زمن.
حاولت تيريزا أن تبقي قلبها محصنا.
كانت في داخلها غرف مغلقة بالحزن تخشى أن تفتح فتسرق مرة أخرى.
لكن شيئا ما بدأ يتحرك فيها ببطء شيء ظنته مات مع الفقد.
مرت الشهور وتحولت الأرض إلى واحة صغيرة.
صار اسمها يذكر باحترام وصار أنطونيو حضورا ثابتا.
وفي مساء صريح سألها لماذا لم تتزوج ثانية.
قالت إنها تخاف من الثقة ومن إدخال رجل إلى حياة ابنتيها ثم فقده.
قال إنه خاف أيضا ولهذا عاش وحيدا. ثم قال الحقيقة
لم تجبه بالكلمات.
لكنها صلت تلك الليلة وشعرت بسكينة لا تطلب الهروب.
غير أن السعادة لا تأتي دون امتحان.
وصل خبر رجل يشتري الأراضي ذات الماء. وحين جاء مبعوثه افترض الموافقة سلفا.
قالت تيريزا إن الأرض ليست للبيع.
ابتسم الرجل وهدد بلطف.
بعدها بأيام جاء الخطر في ورقة مختومة دعوى قديمة دين مزعوم مهلة للإخلاء.
قرأ أنطونيو الورقة ورأى التزوير.
لكن الخوف كان حقيقيا.
وجاءت النجدة من حيث لم تتوقع.
من القرية نفسها.
كتب الكاهن شهد الكاتب العدل ووقعت عشرات العائلات.
لأن الماء الذي أعطته مجانا صنع وحدة أقوى من المال.
في المحكمة وقفت تيريزا أمام رجل السلطة.
تحدثت عن العمل عن الترمل عن الكرامة.
قالت إنها لم تسرق شيئا بل أحيت أرضا ميتة.
وحين صدر الحكم لصالحها بكت كما تبكي من يضع حملا دام سنوات.
بعدها لم تعد الحياة معجزة.
كانت فقط عادلة.
تقدم أنطونيو لا كمنقذ بل كشريك.
طلب يدها بخاتم بسيط ووعد بالحضور لا بالامتلاك.
قالت نعم لأن الحب لم يعد خيانة للماضي بل تكريما للحياة.
كبرت الأسرة وكبر النبع وتحولت الصحراء إلى بستان.
وحين شابت تيريزا جلست تراقب الأحفاد قرب الماء وفهمت أخيرا
أن أعظم الكنوز لا تكون على السطح
بل
في الإيمان والعمل والشجاعة التي تواصل الحفر حتى حين يضحك العالم كله.