تظاهر بالرحيل… ثم اختبأ ليراقب خطيبته مع أطفاله الثلاثة، وما اكتشفه داخل القصر قلب حياته إلى الأبد
تظاهر بالرحيل ثم اختبأ ليراقب خطيبته مع أطفاله الثلاثة وما اكتشفه داخل القصر قلب حياته إلى الأبد كان البيت ينتصب على تل هادئ يطل على حدائق مشذبة وأشجار بلوط سامقة وتتلألأ واجهته الحجرية البيضاء تحت شمس العصر بوقار خادع.
من الخارج بدا منزلا يستحق الإعجاب من بعيد ذاك النوع من البيوت الذي يظن الناس أن السكينة تسكن جدرانه وأن السعادة محفوظة خلف أبوابه الثقيلة.
لكن في الداخل كان الصمت يروي حكاية أخرى.
صمتا أبرد أشد توترا كأن كل غرفة تحفظ ذكرى لم يجرؤ أحد على النطق بها.
وقف مايلز كالاهان خلف باب المكتب الموارب ساكنا تماما وقد ألصق كفه بخشب الباب كأنه يحاول تهدئة الخفقان غير المنتظم في صدره.
كان السكون ثقيلا غير طبيعي كأن البيت بأكمله يحبس أنفاسه وهو رغم عشر سنوات قضاها بين هذه الجدران يشعر بالغربة فيها الآن.
مرت ثلاث سنوات منذ وفاة زوجته المفاجئة.
ثلاث سنوات تركته وحيدا مع أطفاله الثلاثة وأفرغته من الداخل بطريقة نادرا ما اعترف بها حتى لنفسه.
كان يعمل.
يؤمن احتياجاتهم.
يحضر الاجتماعات وحفلات الخير يبتسم للكاميرات ويتقن دور الرجل المتماسك.
لكن الحزن كان يتربص في الزوايا.
يظهر ليلا حين تنام الغرف وحين لا يراقبه أحد.
أطفاله كانوا السبب الوحيد الذي أبقاه واقفا.
كانوا قلبه ومسؤوليته وأحيانا كان يخيفه مقدار اعتماده عليهم كي لا ينهار.
آرون الابن الأكبر كان يحمل وقارا لا يليق بعمره.
عيناه تراقبان كل شيء وجسده يتحرك تلقائيا لحماية أخويه كلما شعر بالخطر في الهواء.
نعومي الرقيقة الخيالية كانت تتشبث بتعويضات صغيرة دمية دفتر رسم صمت طويل وتهرب من المواجهة كأن الكلمات قد تكسرها من الداخل.
أما إلياس الأصغر فكان قليل الكلام عميق الإحساس وتفضحه أصابعه المشدودة وكتفاه المتصلبتان كلما ارتفع صوت أو تبدل الجو فجأة.
حين دخلت فانيسا حياته بدت كأنها جواب لسؤال لم يجرؤ مايلز على طرحه بصوت عال.
وكان ذلك كافيا ليغريه.
كانت متزنة أنيقة مصقولة بعناية.
يعشقها الناس من النظرة الأولى ويثنون على لطفها الظاهر مع الأطفال كما لو كانت هدية سماوية.
أصدقاؤه قالوا له إنه محظوظ.
حتى الأطفال في البداية كانوا مهذبين يحاولون إرضاءها يظنون أن السلام يشترى بالطاعة.
لكن شيئا في داخله لم يهدأ يوما.
ليس بسبب ما كانت تقوله
بل بسبب ما كانت تخفيه.
غياب دفء في لحظات بعينها.
نظرات تطول أكثر مما ينبغي.
نبرة تتبدل حين تظن أن لا أحد يسمع.
في ذلك الصباح اتخذ مايلز قرارا أخافه أكثر من الحزن نفسه.
أخبر فانيسا أنه مضطر للسفر لاجتماع عاجل.
قبل أطفاله رسم ابتسامة متعبة وخرج من الباب الأمامي
ثم عاد في صمت كما يعود المرء إلى حقيقة ظل يهرب منها.
والآن كان مختبئا.
يستمع.
دق كعبا فانيسا على الرخام وهي تدخل غرفة
شعر مايلز بانقباض حاد في صدره.
كان الأطفال جالسين على الأريكة حيث أمرتهم بالانتظار.
نعومي تضغط دميتها القطنية إلى صدرها كدرع صغير.
إلياس يهز ساقيه بعصبية.
أما آرون فكان منتصبا فكه مشدود وعيناه ثابتتان كأن جسده كله يستعد لضربة غير مرئية.
توقفت فانيسا أمامهم.
وقفتها صلبة.
ابقوا ساكنين قالت بصوت خال من الدفء الذي تظهره علنا.
لا أريد فوضى اليوم.
وفي لحظة صار الهواء أثقل.
ابتلعت نعومي دمعتها.
أومأ إلياس بسرعة.
خفض آرون بصره كأنه يعرف القاعدة جيدا لا تستفز كي لا يزداد الأذى.
شعر مايلز بمعدته تهوي.
مرت دقائق طويلة.
التوتر ازداد لزوجة التصق بالجلد وكان عليه أن يعض على نفسه كي لا يفتح الباب ويدمر كل شيء.
مد إلياس يده نحو كأس ماء على الطاولة.
كانت ترتجف قليلا فانقلب الكأس وانسكب الماء بصوت خفيف.
وكان ذلك كافيا.
كان صوت الماء المنسكب صغيرا بالكاد يسمع لكن وقعه كان كصفعة في ذلك الصمت المشدود.
تجمد إلياس في مكانه واتسعت عيناه الصغيرتان كأن الخطأ تحول فجأة إلى ذنب لا يغتفر.
استدارت فانيسا بحدة وتغير وجهها في لحظة.
اختفى القناع الناعم وظهر شيء آخر قاس بارد لا يعرف الرحمة.
رائع قالت بتهكم لاذع.
ألا تستطيع فعل شيء واحد كما ينبغي
انكمش إلياس على نفسه وارتجفت شفتاه.
أنا أنا آسف همس بصوت بالكاد خرج.
لم
كأن اعتذاره لم يكن موجودا.
التفتت إلى نعومي وأشارت إلى الدمية في حضنها بإصبع صارم.
وتلك الشيء لست رضيعة. أبعديها.
شدت نعومي الدمية إلى صدرها أكثر كأنها تحمي قلبها بها.
ترددت لحظة ثم رفعت بصرها بخوف.
تقدمت فانيسا خطوة واحدة وانتزعت الدمية من بين ذراعيها بحركة حادة ثم رمتها على الكرسي المجاور.
لم يكن الأمر عن دمية.
كان عن الأمان الذي سحب فجأة.
عضت نعومي شفتها السفلى وانهمرت دموعها بصمت كامل بلا نشيج بلا صوت.
كانت تبكي كما يتعلم الأطفال في البيوت التي لا يسمح فيها بالبكاء.
في تلك اللحظة نهض آرون نصف وقفة دون تفكير.
تقدم خطوة ووضع نفسه تلقائيا بين فانيسا وأخويه.
شعر مايلز بمزيج من الفخر والخوف يخترق صدره دفعة واحدة.
كفى قالت فانيسا بابتسامة رفيعة ومقلقة.
اجلس قبل أن تعقد الأمور أكثر.
تردد آرون لثانية ثم جلس.
لكن قبضتيه ظلتا مشدودتين وكتفاه متيبستين.
قبض مايلز على إطار الباب بقوة حتى ابيضت مفاصله.
كل خلية في جسده كانت تصرخ به ليتدخل ليفتح الباب ليضع حدا لكل هذا.
لكنه أجبر نفسه على البقاء.
كان بحاجة إلى الحقيقة كاملة بلا أقنعة بلا أعذار.
رن هاتف فانيسا.
تبدل وجهها في لحظة.
ارتسمت تلك الابتسامة اللامعة التي يعرفها الجميع الضحكة الخفيفة المصقولة التي تستخدم لإخفاء السم.
نعم بالطبع قالت بمرح مصطنع.
كل شيء تحت السيطرة.
توقف
لا لا تقلق تابعت وهي تمشي ببطء في الغرفة.
هو لا يعلم شيئا.
شعر مايلز كأن شيئا