طردني وأنا في المخاض وفي اليوم التالي عاد بزوجته الجديدة ليكتشف أنني المالكة لكل ما يعمل عنده
قبل أن ينكسر الصمت
لم يكن الليل مختلفا عن غيره في شكله لكنه كان أثقل مما يجب الهواء ساكن والبيت صامت صمتا لا يريح صمتا يشبه الانتظار الطويل قبل خبر سيئ كنت في شهري التاسع جسدي مثقل وأنفاسي قصيرة وكل حركة بسيطة تتطلب مجهودا لا أملك رفاهيته استلقيت على جانبي أضع يدي على بطني أعد حركات الجنين كأنني أتشبث بشيء ثابت وسط فوضى لا أراها كاملة بعد
ماركوس كان في الشقة أعرف ذلك أسمع صوته أحيانا خطواته الخافتة لكن وجوده لم يعد يعني شيئا منذ أن أخبرني الطبيب أن حملي عالي الخطورة وأن علي التوقف عن العمل بدأ شيء ما يتغير بيننا لم يحدث شجار واضح لم تقل كلمات كبيرة لكن المسافة تمددت بصمت حتى صرنا نعيش في المكان نفسه دون أن نلتقي حقا
جلست على حافة السرير أحاول أن ألتقط أنفاسي حين رن الهاتف
نغمة قصيرة حادة قطعت أفكاري كما يقطع السكين خيطا مشدودا نظرت إلى الشاشة رقم لا أعرفه ترددت ثانية ثم أجبت
جاءني صوت رجل رسمي متزن خال من أي دفء نطق اسمي كاملا كما يكتب في الأوراق الرسمية لا كما يقال بين الناس أخبرني بوفاة عمتي الكبرى تلك المرأة التي لم تكن قريبة مني يوما والتي بالكاد جمعتنا المناسبات العائلية ونظرات سريعة لا تحمل حميمية ولا نفورا
ثم قال الجملة التي أربكت كل شيء
الوصية
اسمي
كل ما تركته
لم أفهم فورا
أغلقت الهاتف وبقيت جالسة أحدق في الفراغ لم أشعر بالفرح لم أشعر بالخوف كان الإحساس أقرب إلى الذهول الصامت كأن بابا فتح فجأة في مكان لم أكن أعلم بوجوده المرأة التي لم أكن قريبة منها كانت الوحيدة التي رأتني كما أنا لا كما صرت
لم أخبر ماركوس
لم يكن قرارا واعيا بل عجزا عن إيجاد الكلمات كيف تشرح لرجل بدأ ينظر إليك كعبء أنك أصبحت فجأة صاحبة شيء منذ أسابيع وهو يعاملني وكأنني مرحلة مؤقتة في حياته فترة ستنتهي قريبا لم أعد زوجة تشاركه الطريق بل عبئا ينتظر الخلاص
مرت الساعات ببطء ثقيل ثم جاء الألم
في البداية كان خفيفا محتملا ثم صار أوضح أكثر انتظاما أدركت أن الأمر حقيقي هذه المرة ناديته من الغرفة بصوت حاولت أن أجعله ثابتا
ماركوس أعتقد أن الوقت قد حان
دخل وجهه متجهم وعيناه تحملان ضيقا واضحا نظر إلي كما لو أنني اخترت أسوأ توقيت ممكن لأحتاجه صمت لحظة ثم قالها بلا تردد بلا محاولة للتلطيف
لا أستطيع الاستمرار في إعالة امرأة بلا عمل
تجمد كل شيء
لم أرد
لم أجادل
لم أبك
بعض الجمل لا تحتاج ردا لأنها تغلق الباب وحدها
أخذ مفاتيحه وخرج أغلق الباب خلفه بهدوء قاس كأن الصوت كان إعلانا رسميا لنهاية شيء لم يعد قابلا للإصلاح بقيت وحدي مع الألم ومع حقيقة بدأت تتشكل بوضوح موجع بعض الناس يرحلون حين يصبح البقاء مسؤولية
دخلت المخاض وحدي
الساعات فقدت معناها
لم يكن هناك سوى جسدي وهو يؤدي مهمته الأخيرة وأنفاسي المتقطعة وألم يتصاعد بلا رحمة حين وصلت صديقتي كاميل كنت قد استنفدت معظم قوتي قادتني إلى المستشفى وأنا أتمسك بحافة المقعد وأفكر في فكرة واحدة فقط بعض الغيابات لا تغتفر لأنها تحدث في اللحظة الخطأ
الولادة كانت قاسية وسريعة الألم لم يترك لي وقتا للخوف وحين خرجت الطفلة إلى العالم بصراخ قوي شعرت بشيء داخلي يستقيم فجأة كأن الحياة رغم كل شيء قررت أن تمنحني نقطة بداية جديدة حملتها بين ذراعي نظرت إلى وجهها الصغير وسميتها كلارا لم يكن الاسم صدفة بل امتنانا صامتا لامرأة رأتني حين لم يرني أحد
في تلك اللحظة أدركت أن ما حدث لم يكن نهاية بل بداية لا تشبه ما توقعت
لكن الماضي كما عرفت لاحقا لم يكن قد قال كلمته الأخيرة بعد
ما لا تقوله الوصايا
لم أنم تلك الليلة رغم أن جسدي كان يطالب بالراحة بإلحاح كلارا كانت نائمة في سريرها الصغير
في الصباح جاء المحامي رجل في الخمسينيات ملامحه صارمة لكن صوته يحمل حذرا محسوبا أحضر معه حقيبة جلدية قديمة وضعها على الطاولة كأنها شيء أثقل من مجرد أوراق لم يبدأ بالكلام عن الأموال ولا عن الممتلكات بدأ عن عمتي
قال إنها كانت امرأة شديدة التحفظ لا تحب الظهور ولا تثق بسهولة عاشت سنوات طويلة تجمع معلومات أكثر مما تجمع علاقات كانت تراقب تسجل وتنتظر لم أفهم قصده في البداية حتى فتح الحقيبة وأخرج ملفا سميكا
صور
مستندات
خطابات قديمة
رأيت اسم أمي بخط واضح على أحد الأوراق شعرت بانقباض مفاجئ في صدري أمي توفيت منذ سنوات وكنت أظن أن ماضيها انتهى معها لكن الماضي كما يبدو لا يلتزم بالدفن
أخبرني المحامي أن جزءا من التركة مشروط ليس مالا يسلم فورا بل مسؤولية عمتي لم تترك لي الثروة لأنني قريبتها الوحيدة بل لأنها كانت واثقة أنني الوحيدة القادرة على إكمال ما بدأته كلمات مبهمة لكنها حملت ثقلا غير مريح
حين فتح الملف ظهرت الحقيقة الأولى
قبل ثلاثين عاما اختفت فتاة في ظروف غامضة