تزوّج طليقي امرأةً ثريّة ثم أرسل إليّ دعوة… ولم يتوقّع أبدًا أن أحضر بهذه الطريقة
تكن همسات شفقة بل دهشة واحترام
لم أكن ضيفة هامشية في قصته الجديدة
كنت فصلا لم يغلق كما ظن
جلست مع بناتي على طاولة قريبة من النافذة ضوء الغروب انعكس على الزجاج فغمر المكان بلون ذهبي دافئ كأنه يمنح المشهد توقيعه الأخير
لم أكن أراقب أدريان لكنه كان حاضرا في مجال رؤيتي يتحرك بتوتر يخطئ في ابتساماته ويتعثر في كلماته
كان زفافه نعم لكن شيئا ما سحب من تحت قدميه دون أن يلمسه أحد
اقترب من الطاولة بعد تردد طويل
هل يمكنني الجلوس سأل موجها كلامه إلي لكن عينيه كانتا على الفتيات
نظرت إليهن تركت القرار لهن
أومأت إحداهن برأسها بخفة فقلت
تفضل
جلس وانحنى قليلا ليكون في مستواهن
مرحبا قال بصوت حاول أن يجعله مرحا أنا أدريان
إحداهن ابتسمت ببراءة وقالت
نحن نعرف اسمك
تجمد للحظة ثم سأل
وهل تعرفن من أكون
أجابت أخرى بثقة طفلة لم تتعلم الخوف بعد
أنت الشخص الذي
لم تكن إهانة كانت حقيقة
ابتلع ريقه ونظر إلي وكأنه يطلب النجدة أو التوضيح لكنني لم أتدخل لم يكن هذا دوري
قال بصوت مبحوح
أنا لم أكن أعرف
أجبته بهدوء
أعرف
سكتنا قليلا
ثم أضفت
لكنني لم أحتجك لتعرف كي نكون بخير
وقفت عروسه غير بعيد تراقب المشهد لم يكن الغضب في عينيها بل إدراك متأخر أن هذه المرأة التي أمامها ليست ظلا من الماضي بل أصلا متينا
بعد قليل نهضت
حان وقت المغادرة
وقفت بناتي معي ولوحن له بأدب
مبروك قالت إحداهن
خرجنا من القاعة كما دخلنا بهدوء بثقة بلا ضجيج
وفي الخارج حين استقرت الفتيات في السيارة وأغلق الباب خلفنا خفت ضجيج الفندق دفعة واحدة كأن العالم عاد إلى حجمه الطبيعي بعد عرض صاخب
جلست خلف المقود ووضعت يدي على عجلة القيادة ألتقط أنفاسي بهدوء لم أعهده في نفسي من قبل
سألتني إحداهن بصوت صغير لكنه كان
هل فزنا يا أمي
التفت إليهن ثلاث وجوه متشابهة بريئة متطلعة لا تعرف معنى الهزيمة كما عرفته أنا يوما
ابتسمت لا لأن السؤال طريف بل لأنني أدركت فجأة كم تغيرت مقاييسي
ربطت حزام الأمان ثم قلت بهدوء صادق
نحن لم نأت لنفوز نحن جئنا لأننا بخير
صمتن قليلا كأن الجملة تحتاج إلى وقت لتفهم ثم انشغلن بالحديث عن الحلوى والزهور والفساتين أما أنا فبقيت للحظة أحدق عبر الزجاج الأمامي
كان الفندق خلفنا مضاء بأبهى أنواره يلمع كرمز لكل ما ظن الناس أنه النجاح المال المظاهر الاحتفال التصفيق
وفي داخله كان رجل يقف الآن أمام مرآة لا تعكس شكله بل اختياراته
انطلقت السيارة ببطء ثم تسارعت وكأن الطريق نفسه يفسح لنا المجال
شعرت بشيء ينفك داخلي كعقدة ظلت مشدودة سنوات طويلة ثم استسلمت أخيرا
لم أشعر بالشماتة
ولم أشعر بالانتصار بمعناه الصاخب
شعرت فقط بالاكتمال
أدركت أن الخسارة
وأدركت أيضا أن بعض الناس لا يخسرون لأنهم فشلوا بل لأنهم نجحوا في الاتجاه الخطأ
أدريان لم يخسرني يوم غادرته
خسرني يوم ظن أنني لن أنهض وأن غيابه سيكون نهاية القصة
خسر حين اعتقد أن القوة تقاس بمن يملك لا بمن يصمد
أما أنا فلم أحتج أن أواجهه ولا أن أشرح ولا أن أستعيد شيئا من الماضي
كنت قد عبرته بالفعل
حياتي لم تعد سؤالا ينتظر جوابا ولا معركة تطلب شاهدا
كانت طريقا واضحا وأطفالا يضحكن في المقعد الخلفي وقلبا يعرف أنه فعل ما استطاع وأكثر
رفعت صوت الموسيقى قليلا وضحكت إحداهن ثم تبعتها الأخريان
ضحك حقيقي خال من الندم لا يعرف أسماء الخسائر القديمة
عندها فقط فهمت
أنني لم أخرج من ذلك الزفاف كامرأة جاءت لتثبت شيئا
بل كامرأة مرت لتودع نسخة قديمة من نفسها
وتكمل الطريق أخف وأصدق وأقوى
أما الرد الذي لم أنطقه
فلم
كان حياة كاملة تسير إلى الأمام