قالت طفلة مشرّدة التوأمان أحياء وبعدها انهار كل شيء!
كانوا يضحكون يوم الجمعة همس الرجل للرخام البارد.
ركع إيثان كارتر في المقبرة.
كان معطفه الأسود مبللا بندى الصباح.
لم تكن ثروته تعني شيئا أمام الحجر الرمادي الذي يحمل اسمي طفليه التوأم.
إلى جواره كانت زوجته كلير تضغط جبينها على القبر.
كان كتفاها يرتجفان وكان نحيبها يمزق الصمت كما لو كان زجاجا ينكسر.
قبل ثلاثة أشهر أعلن موت نوح ولوكاس في الخامسة من عمرهما قويين ومفعمين بالحياة.
قال الأطباء أسباب طبيعية.
كلمات نظيفة كلمات فارغة.
كان إيثان رجلا يستطيع شراء الحلول.
كانت المستشفيات تصغي حين يتكلم وكان المحامون يعيدون اتصالاته خلال ثوان.
لكنه هناك وهو ينظر إلى وجهين مبتسمين محفورين في الحجر شعر بأنه أصغر من أي وقت مضى.
كان شيء في داخله يرفض تصديق ذلك.
فالأطفال لا يختفون هكذا بلا سبب.
عندها شق صوت الحداد
سيدي إنهما ليسا هنا.
رفع إيثان رأسه مذهولا.
كانت طفلة صغيرة تقف على بعد خطوات.
حافية القدمين بفستان ممزق وعينين كبيرتين لكن ثابتتين.
وسيعرف لاحقا أن اسمها عائشة.
أشارت إلى القبر ثم إلى الطريق.
طفلاك قالت بلطف وكأنها تخاف الحقيقة نفسها إنهما على قيد الحياة يعيشان حيث أنام أنا.
مال العالم.
شهقت كلير وخفق قلب إيثان بعنف داخل صدره.
توأمان في الخامسة.
دار أيتام.
طفلة لا تملك شيئا لتربحه وكل شيء لتخسره إن تكلمت.
في تلك اللحظة انشق الألم ليفسح المجال لشيء أشد حدة
أمل ممزوج بالرعب.
فإن كانت عائشة تقول الحقيقة
فطفلاه لم يموتا.
لقد أخذا.
نهض إيثان ببطء كأن الهواء من حوله تحول إلى زجاج.
ماذا قلت
خرج صوته أجش بالكاد أعلى من همس الريح بين الأشجار.
لم تهرب الطفلة.
لم تبتسم.
لم تتوسل.
وقفت فقط بكتفين مشدودتين ويدين
إنهما لم يموتا كررت. أعرف اسميهما نوح ولوكاس.
ينامان على الفراش الملاصق لفراشي.
نهضت كلير مترنحة.
كيف كيف تعرفين اسميهما سألت ويدها على فمها.
وكان الخوف والأمل يتصارعان في عينيها.
ابتلعت الطفلة ريقها.
من الأساور قالت. الأزرق لنوح والأخضر للوكاس.
يبكيان ليلا ويناديان أمهما.
انكسر شيء داخل إيثان انكسارا نظيفا وحاسما.
وهنت ركبتاه فأمسك بحافة شاهد القبر كي لا يسقط.
لا يمكن لغريب أن يختلق تفاصيل كهذه.
ولا لطفل أن يحمل هذا القدر من الرعب في عينيه بسبب كذبة.
أين همس إيثان. أين رأيتهما
ترددت الطفلة ونظرت خلفها كأن الظلال تنصت.
في دار أيتام قالت بصوت خافت في الجهة الشرقية.
لا أحد يطرح أسئلة هناك الأطفال يظهرون فجأة.
ثم خفضت صوتها أكثر
أحضروهما ليلا. سيارة بيضاء ورجلان. كان الطفلان يرتجفان.
أطلقت كلير صوتا لم يكن بكاء كاملا ولم يكن صلاة أيضا.
شعرت بيد إيثان تشد كمها كأنه سيختفي إن تركها.
نظرت الطفلة إلى قدميها الحافيتين.
اسمي عائشة أضافت. وأحيانا أخفيهما عن الكبار إنهم يخافون كثيرا.
جثا إيثان أمامها.
لامس معطفه الفاخر التراب فمحا مكانته في حركة واحدة.
نظر إليها كنظرة غريق إلى سطح الماء.
إن كان ما تقولينه صحيحا قال بصوت مكسور فأنت لم تعثري على طفلي فحسب
رفعت عائشة عينيها إليه أخيرا.
بل أنقذتهما.
وفي المسافة بين ذلك القبر وتلك الحقيقة الهشة بدأ الحزن يخف قبضته ليحل محله شيء أخطر بكثير
الأمل.
تغيرت المدينة وهم يتبعون عائشة.
تلاشت المباني العالية لتحل محلها أرصفة متشققة ومصابيح تومض.
عاش إيثان في هذه المدينة طوال عمره لكنه لم ير هذا الجزء منها من قبل.
غرقت كعوب كلير في الوحل وهي تسير
كان دار الأيتام في نهاية شارع ضيق كفكرة منسية.
ثلاثة طوابق طلاء متقشر نوافذ مرقعة بالكرتون.
والهواء مشبع برائحة الإسمنت الرطب وشيء أقدم الإهمال.
تسللت عائشة عبر باب جانبي وأشارت إليهما بالصمت.
الكبار لا يسمعون الأطفال هنا همست. نحن غير مرئيين.
كان كل درج خشبي يئن تحت أقدامهم كتحذير.
كان قلب إيثان يخفق بقوة حتى ظن أنه سيفضحهم.
ثم سمعه.
صوت صغير كاد يهدمه.
بكاء.
توقفت كلير عن التنفس.
إنهما هما همست.
أومأت عائشة.
من فضلكم قالت برفق لا تركضوا. إنهم يخافون من الكبار.
ابتلع إيثان كل غرائزه التي تصرخ داخله وترك الطفلة تقود.
دفعت بابا لا يزيد حجمه عن خزانة.
لا أسرة فقط أغطية رقيقة على الأرض.
وهناك كانا.
كان نوح ولوكاس جالسين متلاصقين.
متسخين أنحف مما يتذكر إيثان وعيناهما أكبر مما ينبغي لوجهيهما.
أحياء.
يتنفسون.
حقيقيون.
انهارت كلير على ركبتيها وانفجر من صدرها صوت ممزق نصفه نحيب ونصفه صلاة.
غامت رؤية إيثان وهو يسقط بجانبها يرتجف بلا سيطرة.
تراجع الطفلان غريزيا واختبآ خلف عائشة.
لا بأس همست وهي تجثو بجوارهما. أنتم بأمان انظروا.
انحنى إيثان إلى مستواهما.
نوح لوكاس أنا أبيكما.
لم يحدث شيء للحظة.
ثم عقد نوح حاجبيه ولمعت شرارة التعرف في عينيه.
ارتجفت شفته.
أبي همس.
تلك الكلمة وحدها حطمت كل شيء.
اندفع نوح إلى أحضان إيثان وتبعه لوكاس بعده بثانية متشبثا بكلير كأن تركها يعني الاختفاء من جديد.
بكوا معا على تلك الأرضية القذرة.
أربعة قلوب مكسورة تخاط من جديد.
وعائشة واقفة إلى جوارهم تراقب بصمت.
لأن أصغر الأيدي أحيانا تحمل أثقل المعجزات.
لم يغادروا دار الأيتام فورا.
تشبث نوح
لاحظ إيثان ذلك والطريقة التي كان الطفلان يميلان بها نحوها.
اجتاحه الامتنان كموجة ثقيلة.
ثم تحدثت عائشة مرة أخرى بنبرة أخف
احذروا هناك شيء آخر.
شد إيثان عموده الفقري.
قولي.
نظرت إلى نافذة مكسورة كان الغروب ينزف منها إلى الليل.
تأتي امرأة أحيانا ليست مثل الآخرين.
رائحتها غالية ملابسها نظيفة شعرها دائما مثالي.
قطبت عائشة جبينها.
تبكي عند الباب لكن ليس كبكاء الحزينين بل كبكاء الخائفين.
شحب وجه إيثان.
شعر مثالي.
عطر باهظ.
دموع محسوبة.
شعرت كلير بوقع الأمر قبل أن يتكلم.
إيثان
برز اسم في ذهنه ككدمة ضغط عليها بقوة.
فيكتوريا هيل.
زوجته السابقة.
المرأة التي لم تغفر له تركها.
والتي لم تقبل يوما أنه بنى حياة جديدة وأسرة جديدة.
هل كان شعرها بنيا سأل وهو يعرف الجواب.
أومأت عائشة.
كانت تراقب ولا تدخل أبدا.
بدأت يدا كلير ترتجفان.
هل تعتقد أنها
أغمض إيثان عينيه.
تجمعت قطع اللغز بوضوح مرعب.
الأوراق المستعجلة.
شهادات الوفاة المتقنة.
الطبيب الذي لم يعثر عليه.
مأساة نظيفة أكثر مما ينبغي.
لم تكن تريد موتهما قال ببطء والغضب يشتعل في صدره.
كانت تريد اختفاءهما بعيدا عني بعيدا عن كلير بعيدا عن الحياة التي لم تعد جزءا منها.
اقتربت عائشة من الطفلين.
هي تخيفني قالت بصدق كأنها ارتكبت خطأ.
انحنى إيثان أمامها وصوته ثابت وعيناه مظلمتان بوعد لا رجعة فيه
كنت شجاعة حين تكلمت ولن تضطري لمواجهتها مرة أخرى. أقسم.
في الخارج كان الليل قد حل تماما.
وفي مكان ما خارج تلك الجدران المتشققة كانت امرأة تملك مالا أكثر مما ينبغي وحقدا أكثر مما تحتمل قد فقدت السيطرة على سرها.
لم يكن الأمر قد انتهى
بل كان قد بدأ للتو.
في تلك الليلة بدا البيت مختلفا.
ليس لأنه امتلأ بالأصوات بل لأنه امتلأ بالوجود.
نام نوح ولوكاس متلاصقين في سرير غرفة