زرت ابنتي دون إخطار
زرت ابنتي دون إخطار
زرت ابنتي دون إخطار مسبق فصدمت كانت حماتها وزوجها جالسين يأكلان بينما كانت هي تغسل.. لم أكن أنوي النزول من القطار.
كنت متعبة منهكة أحمل حقيبة ممتلئة بأوراق العمل ورأسا يرن من كثرة الاجتماعات. لكن حين أعلن المذيع اسم المدينة المدينة التي تعيش فيها ابنتي شعرت بشيء يشدني من الداخل. إحساس غامض لا تفسير له كأن قلبي سبق عقلي بخطوة.
قلت لنفسي إن الزيارة ستكون قصيرة. ساعة أو اثنتين فنجان قهوة ضحكة سريعة ثم أعود لطريقي. لم يكن هناك قلق ولا شك ولا حتى حنين ثقيل. مجرد رغبة أم في أن ترى ابنتها فجأة دون ترتيب دون مكالمات تمهيدية.
لم أكن أعلم أن تلك الرغبة البسيطة ستفتح بابا لمشهد لم أكن مستعدة لرؤيته.
وقفت أمام باب شقتها. عدلت ياقة معطفي ابتسمت تلقائيا وضغطت الجرس. انتظرت أن أسمع خطواتها السريعة ضحكتها وهي تفتح الباب قائلة ماما!.
لكن الباب فتح ببطء ببطء غير مريح.
لفحني هواء بارد ليس هواء شتاء فقط بل برودة مكان لا تدفئه الأرواح.
كانت ابنتي أمامي
نحيفة أكثر مما يجب شاحبة الوجه كتفاها منسحبان إلى الداخل كأنها تحاول أن تشغل أقل حيز ممكن من العالم. ابتسمت نعم لكنها ابتسامة مرهقة جاهزة كأنها جزء من بروتوكول يومي.
عانقتني عناقا قصيرا متوترا ثم ابتعدت سريعا.
قالت
إنت جيتي فجأة
دخلت ومنذ أول خطوة أدركت أن البيت لا يشبه البيوت.
النظافة كانت قاسية. كل شيء في مكانه بدقة خانقة لا أثر لحياة طبيعية. النوافذ مغلقة بإحكام حوافها ملتصقة بشريط قديم والمدفأة مطفأة رغم أن البرد كان يعض الأصابع.
رائحة زيت بارد معلقة في الجو ثقيلة كأنها بقيت منذ أيام.
ثم رأيت الطاولة.
زوج ابنتي يجلس وأمه إلى جواره. أمامهما أطباق ممتلئة الطعام ساخن البخار يتصاعد. كانا يأكلان في صمت كامل صمت لا يلاحظ وجود ضيف.
حييتهما. ردا بتحية مقتضبة بلا اهتمام بلا ترحيب.
التفت أبحث عنها فوجدتها.
كانت واقفة عند الحوض.
يداها مغمورتان في ماء بارد أصابعها حمراء متشققة كتفاها يرتجفان. كانت منحنية قليلا كمن تعلم أن ينكمش كي لا يرى. لم تكن فقط
قلت بهدوء محاولة ألا أفزعها
ليه ما تقعديش
لم تنطق.
جاء الصوت من خلفي صوت حماتها بلا اكتراث
هتاكل بعدين.
في تلك اللحظة شعرت بأن شيئا داخلي تشقق. لكنني لم أتحرك. لم أرفع صوتي. أردت أن أفهم أن أرى الصورة كاملة.
فجأة مد زوجها يده خطف الطبق من أمام أمه بعصبية دفعه نحو ابنتي وقال بنبرة آمرة
سيبي اللي في إيدك وهاتي أكل تاني. أمي لسه ما شبعتش.
لم ينظر إليها.
لم يلاحظ ارتجافها.
لم يعتذر.
كانت مجرد أداة.
عندها فقط فهمت.
لم يكن هذا موقفا عابرا ولا سوء تفاهم. كان نظاما كاملا حياة قائمة على الإهانة اليومية على كسر بطيء صامت.
نهضت بهدوء.
دخلت الردهة أغلقت الباب خلفي وأخرجت هاتفي. لم تكن يدي ترتجف. الغضب حين يصفو يصبح دقيقا.
اتصلت بمحام قديم أعرفه جيدا. لم أشرح كثيرا. قلت ما يكفي.
ثم اتصال آخر بصديقة عملت سنوات في الشؤون الاجتماعية. صوتي كان هادئا لكنها فهمت من أول جملة.
ثم اتصال ثالث لشخص يعرف كيف يتحرك القانون
عدت وجلست.
راقبت المشهد كما لو كنت أشاهد مسرحية مؤلمة ابنتي تتحرك بصمت تضع الأطباق تنظف تعتذر بلا سبب. وهم يأكلون.
بعد دقائق دوى طرق قوي على الباب. طرق لا يخطئه القلب.
فتح الزوج فتجمد في مكانه.
ضابط شرطة.
موظفة شؤون اجتماعية.
ورجل يحمل ملفا سميكا.
بدأت الأسئلة.
عن التدفئة.
عن توزيع الأعمال.
عن سبب ارتجاف الزوجة.
عن الرسائل.
عن الصور.
حاولت الحماة الصراخ قلب الأدوار التهديد. لكن صوتها بدا فجأة هشا أمام الحقائق.
عندها انهارت ابنتي.
لم يكن بكاء هستيريا بل بكاء تحرر. كأن جسدها تذكر فجأة أنه ليس مطالبا بالتماسك.
ضممتها وشعرت برجفتها تهدأ شيئا فشيئا.
كأن بابا فتح داخلها ولن يغلق مرة أخرى.
لم تخرج ابنتي من ذلك البيت وهي تبكي.
خرجت صامتة تحمل حقيبة صغيرة لا تضم إلا الضروري وكأنها تعلمت عبر السنوات أن تقلل وجودها إلى الحد الأدنى. أغلقت الباب خلفها دون أن تلتفت. لم يكن ذلك جفاء بل نجاة. بعض الأبواب لا تغلق بالحزن بل بالحسم.
في السيارة جلست