كان طفلُ المليونير ينحفُ يومًا بعد يوم لكنّ العاملة رأت ما لم يلاحظه أحدٌ غيرها
في الغرفة المجاورة.
وفي إحدى الليالي حين هدأ البيت تماما سمعت روزا بكاء خافتا. خرجت من غرفتها على أطراف أصابعها واتجهت إلى غرفة الطفل. كان الضوء خافتا وغابرييل ممددا وجهه محمر وصدره يرتفع بصعوبة.
حملته بسرعة فلاحظت خفته. خفة أخافتها.
همست
يا إلهي
ضمته إلى صدرها وبدأت تهدهده كما اعتادت منذ كان رضيعا حديث الولادة. توقف عن البكاء بعد دقائق لكن أنفاسه بقيت سريعة. في تلك اللحظة اتخذت روزا قرارا صامتا لن تترك هذا الطفل وحده.
في الصباح حين جاءت فالنتينا إلى المطبخ كانت روزا هناك تعد القهوة. قالت بنبرة هادئة تخفي قلقا عميقا
السيدة فالنتينا غابرييل لم يكمل رضاعته البارحة. ربما يحتاج إلى كمية أكبر.
رفعت فالنتينا حاجبا واحدا وقالت ببرود
الطبيب قال لا يجب الإفراط. الأطفال الأثرياء لا نربيهم بالعشوائية.
لم يعجب روزا تعبير الأطفال الأثرياء لكنها صمتت.
ريكاردو من جهته لم يكن يرى شيئا. كان يغادر قبل شروق الشمس ويعود بعد العشاء. حين يحمل ابنه
مرت الشهور وتزوج ريكاردو من فالنتينا في حفل فاخر حضره رجال أعمال ومشاهير. كانت روزا تقف في الخلف ترتدي زيها البسيط وتنظر إلى العروس البيضاء وتتذكر تابوت آنا باولا الأبيض. اللون نفسه والمعنى مختلف تماما.
بعد الزواج تغير كل شيء بسرعة. ألغيت بعض صلاحيات روزا في العناية بالطفل. قيل لها إن هناك نظاما جديدا. لم تعد تستطيع الدخول إلى غرفة غابرييل إلا في أوقات محددة.
لكن الطفل ازداد ضعفا.
وفي أحد الأيام حين كان ريكاردو مسافرا أصيب غابرييل بحمى مفاجئة. كانت فالنتينا في صالون التجميل. حاولت المربية الاتصال بها فلم تجب. حين عادت نظرت إلى الطفل نظرة ضجر وقالت
سيهدأ. لا داعي للدراما.
لكن روزا لم تحتمل.
دخلت الغرفة دون إذن وحملت الطفل ووضعت يدها على جبينه. كان ساخنا بشكل مخيف. نظرت إلى فالنتينا بعينين دامعتين
يجب أن نأخذه إلى
صرخت فالنتينا
من تظنين نفسك هذا بيتي! وهذا ابني!
لم تتراجع روزا. للمرة الأولى منذ خمسة عشر عاما رفعت صوتها
وهذا طفل مريض!
في النهاية نقل غابرييل إلى المستشفى. وهناك بعد فحوصات طويلة خرج الطبيب بوجه متجهم. قال لريكاردو الذي وصل مسرعا إن الطفل يعاني من سوء تغذية مزمن وإن الأمر كان يمكن أن يكون أخطر لو تأخروا أكثر.
نظر ريكاردو إلى فالنتينا ثم إلى روزا. لم يقل شيئا في تلك الليلة. لكن شيئا ما انكسر داخله.
بعد أيام طلب من روزا أن تجلس معه في المكتب. كان صوته منخفضا
أريدك أن تقولي لي الحقيقة هل كنت تلاحظين شيئا
لم تستطع الكذب. حكت له كل شيء. الزجاجات الناقصة البكاء الخفة البرود.
ظل ريكاردو صامتا طويلا. ثم قال
لم أكن حاضرا
بعد أسابيع غادرت فالنتينا القصر. قيل في الصحف إن الانفصال ودي بسبب اختلافات شخصية. لكن روزا رأت الدموع في عيني ريكاردو يوم رحلت.
عاد البيت إلى هدوء مختلف. هدوء أقل برودة.
أعيدت روزا إلى رعاية غابرييل
مرت السنوات.
كبر غابرييل ودخل المدرسة ثم المراهقة. كان ذكيا هادئا مختلفا عن أبناء الأثرياء الذين عرفتهم روزا. كان يرافقها أحيانا إلى المطبخ ويسألها عن طفولتها وعن والدته الحقيقية. كانت تحكي له عن آنا باولا عن طيبتها عن صوتها عن كيف كانت تحبه قبل أن يولد.
وفي يوم ما حين كان في السادسة عشرة قال لها فجأة
أنت أنقذت حياتي أليس كذلك
تجمدت روزا.
من قال لك هذا
ابتسم غابرييل ابتسامة حزينة
أبي. قال إن هناك امرأة واحدة فقط رأت الحقيقة حين كان الجميع أعمى.
لم تجب. اكتفت بأن وضعت يدها على كتفه.
في تلك الليلة نظرت روزا إلى القصر كما رأته أول مرة كبيرا فخما لكنه لم يعد مخيفا. لم تعد الأرضيات باردة ولا النوافذ بعيدة.
كانت تعلم الآن أن الثراء الحقيقي لم يكن يوما في الرخام ولا في المال
بل في عيني