تمنّيتُ لو أن أخي لم يُولد قط
تمنّيتُ لو أن أخي لم يُولد قط. أعرف كيف يبدو هذا—كأنه اعتراف وحشي. لكن حين تكون في السابعة عشرة، ويسلّم والداك صندوق مدّخراتك الجامعية لطبيب مختص بدلًا من جامعة، يصبح الحب شبيهًا بالسرقة.
كان ذلك الغضب هو الوقود الذي حرّك حياتي كلها في سنّ الرشد. بسببه غرقت في قروض طلابية من ستة أرقام. وبسببه انتقلت إلى المدينة، وشققت طريقي بأظافري في السلم الوظيفي داخل شركة تقنية كبرى، واشتريت شقّة تبدو وكأنها صفحة من مجلة فاخرة. بنيت حصنًا من النجاح فقط لأثبت أنني لا أحتاج إليهم. لا أحتاج إلى البلدة التي نسيتني، ولا إلى والدين تجاهلاني، وبالأخص لا إلى الأخ الذي استهلك كل ذرة أكسجين في بيتنا.
اسمه بيلي. عمره أربعة وثلاثون عامًا، يكبرني بعامين، لكنه يعيش في طفولة دائمة، يتعامل مع العالم بتوحّد غير لفظي وتأخر إدراكي يربطه بزمن أبسط.
طوال السنوات العشر الماضية، كنتُ «الابن الصالح» من بعيد. أرسل شيكات. أرسل رسائل نصية عامة في الأعياد. أصنع حياة رقمية تبدو مثالية، بينما أخفي حقيقة أنني كنت غارقًا في الاحتراق النفسي ووحدة قاتلة.
لكن هذا العام، كان عليّ أن أعود.
قيادتي لسيارتي الكهربائية المؤجرة من الطريق السريع إلى الإسفلت المتشقق في بلدتي كان أشبه بالسفر عبر الزمن. كآبة حزام الصدأ كانت معلّقة في الهواء. الشارع الرئيسي نصفه فارغ، والمطعم القديم تحوّل إلى محل «نشتري الذهب نقدًا»، ، تذكيرًا بحيٍّ توقّف سكانه عن الحديث مع بعضهم منذ سنوات.
توقفتُ في الممر المؤدي إلى البيت. بدا أصغر مما أتذكر. الطلاء يتقشّر. كان أبي على الشرفة، يبدو أكبر سنًا، ظهره منحنٍ تحت أعباء غير مرئية.
«ديفيد!» صاحت
ثم كان هناك بيلي.
كان جالسًا على أرض غرفة المعيشة، محاطًا بـ«مجموعته»—كومة من أشرطة الفيديو القديمة وأدلّة الرياضة السنوية. كان يهتز ذهابًا وإيابًا، يصدر ذلك الهمهمة المنخفضة التي كانت تدفعني للجنون عندما كنت أذاكر لاختبارات القبول الجامعي.
لم يرفع رأسه. كان يرتدي قبعة بيسبول باهتة، شعارها ممسوح، ويمسك بقفاز جلدي بدا كأنه نجا من حرب.
«مرحبًا يا بيلي»، قلت، وصوتي متصلّب.
لم يرد. واصل الهمهمة، متتبعًا خياطة القفاز بأصابعه.
كان العشاء مؤلمًا. جلسنا حول الطاولة، الديك الرومي جاف قليلًا، والحديث أكثر جفافًا. حاول والداي السؤال عن عملي، لكنني كنت أرى أنهما لا يفهمان ما يعنيه أن تكون «مهندس نظم». لم تكن لديّ طاقة للشرح. تفقدتُ بريدي الإلكتروني تحت الطاولة. ثلاث رسائل عاجلة جديدة. في عيد الشكر.
«كل شيء على ما يرام يا ديفي؟» سأل أبي.
«نعم، بخير»، قلت بحدة أكثر مما قصدت. «فقط… الاقتصاد، السوق. الأمور ضاغطة.»
نظرتُ إلى بيلي. كان يسحق البطاطس بسعادة بملعقته، غافلًا عن التضخم، غافلًا عن شائعات التسريح في شركتي، غافلًا عن حقيقة أنني لم أنم ليلة كاملة منذ أشهر.
«لا بد أنه أمر مريح»، تمتمتُ، في الغالب لنفسي. «أن تجلس هكذا فقط. بلا فواتير. بلا ضغط. مجرد بطاطس مهروسة.»
تجمّدت أمي. اصطدمت شوكتها بالطبق. «ديفيد.»
«ماذا؟» قلت، والغضب القديم يغلي. «أنا فقط أقول. عملتُ ثمانين ساعة في الأسبوع لسداد قروض أخذتها لأن علاجه كان أغلى من دراستي الجامعية. وهو لا يعرف حتى أنني هنا.»
قال أبي بهدوء: «هو يعرف.»
«هل يعرف فعلًا؟» أشرتُ
نهضتُ ورميت المنديل على الطاولة. «أحتاج بعض الهواء.»
خرجتُ إلى الفناء الخلفي. كان الجو باردًا، والسماء بلون بنفسجي كدماتي مع غروب الشمس. كان هذا الفناء ملعب أحلامي. كنت أتخيل الضربة الحاسمة هنا. ثم كان بيلي يمرّ بنوبة، أو تشنّج، أو يوم سيئ، وتنتهي المباراة. كنت دائمًا أضطر إلى حزم خيالي والعودة إلى الداخل. «الطفل الزجاجي». هكذا يسمّون إخوة الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة. شفافون. أقوياء ظاهريًا، لكنهم ينكسرون بسهولة إذا ضغطتَ كثيرًا.
أشعلتُ سيجارة—عادة أخفيها عن زملائي المهووسين باللياقة—واتكأتُ على شجرة البلوط القديمة. أخذتُ نفسًا عميقًا، ومررتُ على وسائل التواصل. عائلات الجميع تبدو مثالية. وجوه مبتسمة، ملابس متطابقة. زيف. كلّه زيف.
صرير الباب الخلفي قطع أفكاري.
تهيّأتُ لمحاضرة من أمي. لكن لم تكن أمي.
كان بيلي.
خرج إلى العشب وهو يرتدي جواربه. كان يرتجف قليلًا بقميصه، لكنه لم يبدُ منتبهًا. كان يحمل القفاز القديم في يد، وكرة بيسبول رمادية مهترئة في الأخرى.
«ادخل يا بيلي، الجو بارد»، قلتُ وأنا أشيح بوجهي.
اقترب مني. وقف قريبًا جدًا، تفوح منه رائحة مسحوق الغسيل والورق القديم. دفع القفاز إلى صدري.
نظرتُ إليه. كان قفازي. قفاز رولينغز الذي ظننت أنني فقدته عندما غادرت في الثامنة عشرة. كان مدهونًا، جلده ناعمًا. لقد احتفظ به.
«ماذا تريد؟» سألت، وصوتي يتكسر.
تراجع خطوتين. رفع ذراعه ورمى الكرة نحوي رمية سيئة—متذبذبة، منخفضة، بلا قوة.
أصابت ساقي.
«لن ألعب، يا بيلي»، قلتُ، وانحنيتُ لألتقط الكرة وأعيدها
لكن حين وقفتُ ونظرتُ إليه، توقفت.
لأول مرة منذ سنوات، نظرتُ إلى أخي حقًا. لم أنظر إلى تشخيصه. لم أنظر إلى «العبء». نظرتُ إلى وجهه.
كان يبتسم. ليست تلك الابتسامة الشاردة التي تظهر أحيانًا أمام الرسوم المتحركة. كانت ابتسامة مباشرة، مقصودة. كان ينتظر.
في عالم يطالبني أن أكون أذكى وأسرع وأغنى وأكثر انخراطًا سياسيًا، لم يكن بيلي يهتم بشيء من ذلك. لم يهتم بمسمّاي الوظيفي. لم يهتم بدرجتي الائتمانية. لم يهتم إن كنت ديمقراطيًا أم جمهوريًا.
كان يريد فقط أن نلعب التمرير.
لقد انتظر خمس عشرة سنة عودتي إلى هذا الفناء. بينما كنت ألاحق نسخة من الحلم الأمريكي تركتني فارغًا، كان هو هنا، يعتني بقفازي، ويحفظ مكاني في التشكيلة.
انقبض حلقي. صار الهواء البارد حادًا في صدري.
ارتديتُ القفاز. كان ضيقًا يدي كبرت لكنه كان مناسبًا.
«حسنًا»، همست. «حسنًا، يا بيل.»
رميتُ الكرة إليه. رمية خفيفة من تحت اليد.
التقطها بصدره، تعثّر، ثم ضحك. ضحكة نقية، خالصة، ارتد صداها عن سور الجيران. رماها إليّ.
طَق. اصطدمت الكرة بالقفاز.
طَبَق. رميتها من جديد.
دخلنا في إيقاع. غابت الشمس، وأضاءت مصابيح الشارع، مرسلة ظلالًا برتقالية طويلة على العشب المتضخم. حذائي الإيطالي الغالي اتّسخ بالطين. سترتي كانت تعيق حركتي. لم يهمني.
مع كل رمية، بدأ الغضب الذي حملته كدرع يتصدّع.
أدركتُ أنني لُمتُ بيلي لأنه سرق انتباه والدَيّ، لكنني أنا من سرق حضوري. عاقبتهم بغيابي. ظننتُ نفسي الضحية، لكن واقفًا هناك، رأيت الحقيقة. بيلي هو من أمسك العائلة معًا. كان المرساة. بينما كنت أنجرف في بحر من المعاملات شبكات العلاقات،
كان الشخص الوحيد في العالم الذي أحبني فقط لأنني موجود.