جلست بالخطأ في مقعد الدرجة الأولى… فغيّر مليونير حياتها في دقائق!
المقعد الخطأ
لم تكن كاتالينا تؤمن بالصدف ولا بالعلامات الصغيرة التي يراها الآخرون بشارات خفية من القدر كانت ترى الحياة سلسلة من الوقائع الصلبة كل واحدة منها نتيجة مباشرة لما قبلها فقر يؤدي إلى تعب تعب يقود إلى خطأ وخطأ واحد كفيل بأن يفتح فجوة لا تغلق لذلك حين صعدت إلى الطائرة المتجهة إلى ميامي لم يخطر ببالها أن المقعد الذي جلست فيه بالخطأ سيكون أول شرخ حقيقي في يقينها القديم
كانت تحمل طفلها ماتيو على ذراعها اليسرى وشنطة صغيرة على كتفها الأيمن كل ما تبقى من حياتها السابقة انضغط في تلك الشنطة ملابس قليلة شهادات عمل وصورة قديمة لرجل يبتسم بثقة لا تشبه نهايته كانت الطائرة تعج بأصوات متداخلة ضحكات مكتومة وأصوات محركات تستعد لابتلاع المسافة بين ما كانت عليه وما تأمل أن تصير إليه
جلست بسرعة محاولة أن تسكت بكاء ماتيو قبل أن يلفت الأنظار لم تنتبه لرقم الصف ولا للحرف الصغير المطبوع أسفل المقعد كل ما كانت تفكر فيه هو أن تمر الساعات القادمة بسلام دون نظرات شفقة ودون أسئلة لا تملك لها إجابة
بعد دقائق وقف رجل عند حافة الصف طويل القامة يرتدي بذلة رمادية بسيطة لكنها باهظة الثمن لمن يعرف كيف يقرأ التفاصيل لم يتكلم في البداية نظر إلى رقم المقعد ثم إليها ثم ابتسم ابتسامة خفيفة لا تحمل أي توتر
قال بهدوء
أعتقد أن هذا مقعدي
رفعت كاتالينا رأسها بسرعة وشعرت بالدم يصعد إلى وجهها نظرت إلى البطاقة في يدها ثم إلى رقم الصف فوقها كانت قد أخطأت فعلا
تمتمت باعتذار مرتبك وبدأت تجمع أغراضها تحاول الوقوف وهي تحمل طفلا يزداد توتره مع حركتها العشوائية قبل أن تنهض
لا بأس قال اجلسي هنا المقعد بجواري فارغ
ترددت لم تكن معتادة على هذا النوع من التنازلات السهلة العالم كما عرفته لا يمنح شيئا دون مقابل لكنها كانت مرهقة أكثر من أن تجادل جلست ببطء وهمست بشكر خافت كأنها تخشى أن يختفي كرمه إن رفعت صوتها
بعد دقائق بدأ ماتيو بالبكاء من جديد حاولت كاتالينا تهدئته بالطريقة الوحيدة التي تعرفها هدهدة خفيفة همهمة بلا كلمات ولمسة دافئة على ظهره الصغير لكن الطفل كان يشعر بتوترها ويقاومه ببكاء أعلى
انحنى الرجل قليلا وقال بصوت منخفض
هل تسمحين
نظرت إليه بريبة ثم إلى طفلها لم يقل أكثر من ذلك فقط أشار بيديه كمن يعرف كيف يحمل طفلا دون أن يؤذيه سلمته ماتيو بعد تردد قصير وهي تراقب كل حركة مستعدة لأن تستعيده عند أول إشارة خطأ
لكن شيئا ما حدث توقف ماتيو عن البكاء تقريبا فور أن استقر بين ذراعي الرجل لم يكن السحر في الحركة بل في السكينة التي بثها وجوده كان يحمل الطفل كما لو أنه اعتاد هذا الوزن وكأن الذراعين تعرفان ما تفعلان
قال الرجل مبتسما
اسمي أليخاندرو
أجابت بعد لحظة
كاتالينا
لم يطرح أسئلة لم يسأل عن وجهتها ولا عن زوجها ولا عن سبب سفرها وحدها مع طفل رضيع اكتفى بالجلوس إلى جوارها يحدق أمامه حينا وفي ماتيو حينا آخر كأن وجودهما معا أمر طبيعي لا يحتاج تفسيرا
أغمضت كاتالينا عينيها للحظة شعرت لأول مرة منذ شهور بأن جسدها يستطيع أن يستريح ولو قليلا تذكرت زوجها ريكاردو كيف كان يحمل ماتيو بالطريقة نفسها في الليالي التي ينهك فيها البكاء قبل
فتحت عينيها فجأة كأنها ارتكبت خيانة داخلية لم يكن أليخاندرو بديلا ولا محاولة تعويض كان مجرد رجل جلس بجوارها في طائرة هذا كل شيء
لكن في داخله كان أليخاندرو يعيش صراعا مختلفا لم يكن معتادا على هذا القرب العفوي ولا على هذا النوع من الصمت المشترك اعتاد الاجتماعات الصفقات والكلمات المحسوبة أما هنا فكان الصمت صادقا على نحو أربكه
حين أعاد ماتيو إلى ذراعي أمه قال
سيكون بخير
لم يعرف لماذا قالها لم يكن يتحدث عن الطفل وحده
شكرته وهذه المرة رفعت صوتها قليلا التقت أعينهما للحظة أطول مما ينبغي لم تكن نظرة رومانسية بل اعتراف صامت بجرحين مختلفين يتجاوران دون أن يلتقيا
عندما أقلعت الطائرة نظرت كاتالينا من النافذة المدينة التي تغادرها كانت تنكمش تحتها كذكرى مؤلمة لا تريد حملها معها لم تكن تعرف أن الرجل الجالس بجوارها ليس مجرد عابر ولا أن هذا المقعد الخطأ سيكون أول خطوة في طريق طويل مليء بالاختيارات التي لا تشبه الهروب بل المواجهة
ولا كانت تعرف أن قلبها الذي اعتاد الانكماش بدأ للمرة الأولى منذ زمن طويل يتسع
استقبلت ميامي كاتالينا بحرارة مختلفة عن كل ما عرفته من قبل حرارة لا تأتي فقط من الشمس بل من الإحساس الغريب بأنك غريبة مهما حاولت الاندماج المطار كان واسعا مزدحما بوجوه لا تلتفت بخطوات سريعة لا تترك أثرا حملت ماتيو بين ذراعيها وشدت معطفه الخفيف كأنها تحاول حمايته من عالم لا يعرف الرحمة
خرجت من المطار وهي تشعر أن الهواء نفسه يطالبها بأن تثبت وجودها لم يكن لديها أحد ينتظرها لا لافتة تحمل
استقلت سيارة أجرة قديمة جلست في المقعد الخلفي وراحت تراقب الشوارع التي تمر أمامها مبان عالية ألوان زاهية ولوحات إعلانية تعد بحياة أفضل مقابل المال شعرت بأن المدينة تبتسم للجميع لكنها لا تفتح قلبها لأحد بسهولة
وصلت إلى الشقة الصغيرة التي استأجرتها عبر إعلان إلكتروني كانت في الطابق الثالث من مبنى قديم جدرانه تحمل آثار سنوات طويلة من الإهمال صعدت السلم ببطء تتوقف بين كل طابق وآخر لتلتقط أنفاسها عندما فتحت الباب وجدت غرفة ضيقة مطبخا صغيرا وسريرا واحدا وضعت حقيبتها أرضا وأسندت ظهرها إلى الحائط وأغمضت عينيها
قالت لنفسها بصوت منخفض
هذا مؤقت
كانت تلك الجملة هي الحبل الوحيد الذي تمسكت به
في الأيام التالية بدأت رحلتها مع الأوراق والمعادلات شهادتها في التمريض التي كانت مصدر فخرها يوما تحولت هنا إلى مجموعة أوراق تحتاج إلى تصديق وترجمة وانتظار كانت تقف في الطوابير الطويلة وماتيو في عربة صغيرة تبتسم للموظفين وتخفي تعبها خلف أدب مصطنع
في المساء كانت تجلس قرب النافذة تطعم طفلها وتنظر إلى الشارع أصوات السيارات الموسيقى البعيدة والضحكات العابرة كلها كانت تذكرها بأنها خارج الصورة لم تكن حزينة بالمعنى المباشر لكنها كانت معلقة بين ما فقدته وما لم تحصل عليه بعد
لم تفكر في أليخاندرو كثيرا كان حضوره في الطائرة أشبه بلقطة عابرة مشهد لطيف في فيلم طويل عن البقاء ومع ذلك كانت تتذكر طريقته في حمل ماتيو ذلك الاطمئنان الصامت الذي لم يطلب شيئا في المقابل