جلست في المقعد الخطأ في الطائرة لكن الرجل الذي كان بجوارها اتضح أنه مليونير ثم وقع في الحب
يحتاج من يقيم معه ويتابع أدويته ويرافقه
ولماذا أنا لا بد أن هناك كثيرات غيري
تردد أليخاندرو لحظة ثم قال بصدق
بعد حديثنا في الطائرة عرفت أنك لا ترين الناس من خلال أوضاعهم المادية أبي مر بتجارب سيئة مع مرافقين رأوه مجرد وظيفة سهلة
ثم أضاف
والراتب حقيقي ألف وثمانمئة في الأسبوع مع تغطية مصاريف طبية لك ولماتيو بيت الضيافة فيه غرفتان ومطبخ كامل وعلى بعد خمس دقائق من حضانة ممتازة
شعرت كاتالينا بدوار خفيف بدا الأمر مثاليا أكثر مما يسمح به المنطق
هل يمكنني التفكير
بالطبع وإن أردت يمكنك مقابلة والدي غدا ورؤية المكان
قالت بعد لحظة
لدي شرط
قولي
أريد الاحتفاظ بعملي الجزئي في عيادة الدكتور كامبوس أحتاج أن أستمر في المهنة أثناء دراستي لمعادلة الشهادة
ابتسم أليخاندرو
هذا بالضبط ما يجعلني واثقا من اختيارك
تلك الليلة لم تنم كاتالينا كانت الفرصة مذهلة وربما مذهلة أكثر مما ينبغي
ما احتمال أن يظهر الرجل ذاته في اللحظة التي احتاجته فيها
قالت لوسيا
ابحثي عنه على الإنترنت
فعلت
وظهرت النتائج مقالات عن استحواذات بملايين مقابلات صور في مؤتمرات تقنية كان ناجحا فعلا
قالت لوسيا وهي تشير إلى صورة له مع امرأة أنيقة
هذه زوجته السابقة على الأرجح جميلة
ثم أضافت بنبرة ساخرة
متأكدة أنه يريد فقط ممرضة
احمرت وجنتا كاتالينا
لا تكوني سخيفة لدي طفل وأنا أرملة
حتى المليونيرات يقعون في الحب قالت لوسيا
هذا عمل فقط ردت كاتالينا بإصرار
لكنها حين أغمضت عينيها تذكرت نظرته في الطائرة والطريقة التي استمع بها دون أن يقاطع
في اليوم التالي كان قصر كورال غيبلز كما تخيلته حدائق مرتبة نافورة ونوافذ واسعة تلمع تحت شمس ميامي
لكن المفاجأة كانت دون ألبرتو جالسا في الشرفة الأمامية يصرخ في وجه ممرضة تحاول مساعدته
قلت لك إنني لا أحتاج إلى كرسي!
تقدمت كاتالينا بهدوء
أنا لا آتي لاستبدال أحد فقط لأتعرف إليك
نظر إليها العجوز بعينين فاحصتين
ممرضة أخرى
أم لطفل رضيع قالت بهدوء وأعرف معنى أن يقرر الآخرون عنك
ضحك لأول مرة
أعجبتني من أين أنت
من ميديين
آه زوجتي الراحلة كانت تحب فطائر الذرة هناك
بعد الجولة وفي بيت الضيافة شعرت كاتالينا أن الحياة تمنحها فرصة ثانية
ومع مرور الأسابيع استقرت في روتين متوازن وبدأ دون ألبرتو يثق بها وبدأ أليخاندرو يزور والده أكثر
وفي إحدى الليالي قالت له وهي في المطبخ
أبوك بخير اليوم
هذا بفضلك قال
ثم أضاف
أنت لا تقومين بعملك فقط أنت تهتمين
وعندما حاول أن يعرض
أريد أن أفعل هذا بنفسي
رفع يديه بهدوء
لم أقصد إهانتك فقط أردت أن تكوني بخير
وساد بينهما صمت لم يكن ثقيلا بل مشحونا بما لم يقل بعد
في تلك الليلة بينما كانت كاتالينا تسدل الغطاء على جسد ماتيو الصغير وتنتظر انتظام أنفاسه عاد الحديث إلى ذهنها دون استئذان لم يكن في كلمات أليخاندرو ما يزعجها بل في طريقته حين ينظر إليها نظرة تحمل اهتماما صامتا صادقا على نحو أربكها لم تشعر بالتهديد بل بشيء أشبه بالانكشاف هشاشة ناعمة كأن أحدهم رآها كما هي دون أن يحاول اقتحامها
وبعد يومين بينما كانت ترتب أدوية دون ألبرتو على مكتبه الخشبي وقعت عيناها على ظرف أبيض يحمل اسمها بخط أنيق فتحته بتردد فوجدت شيكا بمبلغ كبير وملاحظة قصيرة بخط مرتجف قليلا
لمصاريف معادلة الشهادة بمحبة ألبرتو دوران
لم تنتظر وجدته في الحديقة جالسا تحت ظل الشجرة التي يحبها
قالت بهدوء حازم
دون ألبرتو لا أستطيع قبول هذا
ابتسم تلك الابتسامة التي تحمل من الحكمة أكثر مما تحمل من المزاح
ولماذا لا هذا مالي أفعل به ما أشاء
لكنه كثير
لوح بيده باستخفاف مصطنع
هراء لقد أعدت لهذا البيت روحه ألبرتو يأتي أكثر وأنا أشعر بتحسن وذلك الطفل الجميل أسر قلوبنا جميعا
ثم أضاف بابتسامة ماكرة
ثم إن ابني لم يتحدث عن امرأة بهذا القدر منذ باتريسيا هل تصنعين المعجزات هنا
تسارع قلب كاتالينا
أنا ممرضتك فقط
نظر إليها طويلا وقال بهدوء واثق
يا ابنتي عمري اثنان وسبعون عاما أعرف متى يكون الرجل واقعا في الحب
في تلك الليلة حين عاد أليخاندرو من اجتماع طويل وجد كاتالينا تنتظره في الصالة والشيك في يدها
علينا أن نتحدث
بعدها بأسابيع انتقلت إلى شقة صغيرة في هياليه كانت أصغر كثيرا من بيت الضيافة لكنها كانت شقتها غرفة واحدة في الطابق الثاني من مبنى وردي تحيط به أصوات السالسا والميرينغي كل عطلة وجيران من كولومبيا وفنزويلا وكوبا يملؤون المكان حياة
قالت لها جارتها إسبيرانثا سيدة من بارانكيا بثلاثة أحفاد
هل أنت متأكدة أنك لا تريدين أن أعتني بماتيو أثناء عملك
ابتسمت كاتالينا شاكرة
أنت لطيفة جدا لكن لدي حضانة له
في كورال غيبلز هذا لا بد أن يكلف ثروة
لدي منحة قالت وهي تكذب
الحقيقة كانت أن أليخاندرو دفع ستة أشهر مقدما قبل أن ترحل أحد التفاصيل التي اكتشفتها لاحقا بعد مواجهتها له
مرت أربعة أشهر كانت تعمل دواما كاملا في عيادة الدكتور كامبوس وتحضر ليلا دروس الإنجليزية الطبية في كلية ميامي ديد وترفض بإصرار أي مساعدة
سألها الطبيب في الاستراحة
كيف تسير دراستك لامتحان
جيد حصلت على تقييم الشهادات قالوا إن تعليمي يعادل بكالوريوس تمريض أمريكي
ممتاز وامتحان اللغة
نجحت بدرجة عالية
إذا لم يبق إلا الامتحان نفسه
أدرس بالكتب والتطبيقات
ما لم تقله أنها كانت تذاكر حتى الثانية فجرا بعد نوم ماتيو وأنها فقدت عشرة أرطال وأنها باعت خاتم زواجها لتدفع رسوم الامتحان
حين عرض عليها الطبيب المساعدة قاطعته
أنا بخير حقا
في تلك الليلة بينما كانت تطهو العشاء رن الهاتف توقعت لوسيا لكن الصوت جاء مختلفا
كاتالينا أنا أليخاندرو
تجمدت
كيف حصلت على رقمي
الدكتور كامبوس آمل ألا أكون أزعجتك
ماذا تريد
أبي في المستشفى نوبة قلبية أخرى
ذهبت في اليوم التالي بدا دون ألبرتو أصغر هشا موصولا بأجهزة تصدر صفيرا خافتا
كنت أعلم أنك ستأتين
جلسا يتحدثان طويلا عن الحياة عن الفقد عن أيام الأحد التي بدت كأنها عائلة
قال لها وهو يمسك يدها
ابني لا يعرف كيف يحب إلا وشيك في يده وعديني ألا تتركيه وحيدا
أعدك
بعد ثلاثة أيام جاءها الاتصال
مات دون ألبرتو في نومه بلا ألم
في الجنازة اقتربت من أليخاندرو
قال بصوت مبحوح
شكرا لأنك جئت كان حضورك يعني له الكثير
وحين اعترف بحبه وسط الفقد وسط كل شيء لم تجد كلمات
بكت تلك الليلة على الخسارات كلها وبكت أيضا على احتمال لم تكن تعرف أنها ما زالت قادرة على التفكير فيه
بعد ستة أشهر كانت ترتدي زيها الأزرق الداكن
في مستشفى جاكسون ميموريال اجتازت الامتحان أخيرا
وكان أليخاندرو في الاستقبال
تحدثا طويلا عن العلاج النفسي عن الخوف عن المال حين يصبح لغة وحيدة للحب
قال لها
لم يكن ما فعلته صدقة كان حبا
قالت بهدوء
نعم لكنه أدير بطريقة خاطئة
حين طلب الصفح لم تطلب منه مالا ولا اعتذارا أكبر طلبت صدقا فقط
وعندما قال إنه سيغادر طلبت أسبوعا
أسبوعا لتفكر
أسبوعا لترى إن كان الوداع حتميا أم أن البداية ما زالت ممكنة ولكن هذه المرة بلا إنقاذ بلا أسرار وبلا مال يتوسط كل شيء
ابتسم وقال
أول شيء سنفعله كمتساويين
ماذا
موعد عادي مثل الناس العاديين
ضحكت
هل تطلب مني موعدا
أطلب منك فرصة أن تقعي في حبي للأسباب الصحيحة
وسكتت
لأول مرة لم يكن الصمت ثقلا بل احتمالا
في تلك الليلة حين وصلت كاتالينا إلى شقتها في هياليه وجدت ماتيو مستيقظا في سريره يلعب بأصابعه ويهمهم بأصوات تقترب كل يوم من الكلمات
حملته بين ذراعيها وجلست على حافة السرير تراقب انعكاس ضوء الشارع على الحائط
قالت له بنبرة خفيفة كأنها تفكر بصوت مسموع
ما رأيك يا حبيبي
ابتسم ماتيو ومد يديه نحو وجهها لم يكن يعرف السؤال لكنه عرف الصوت صوت أم مطمئنة لا تبحث عن النجاة
ضحكت بهدوء واحتضنته
وللمرة الأولى منذ وفاة ريكاردو أدركت كاتالينا أنها لم تعد خائفة من الحب لكنها أيضا لم تعد مستعدة لأن تجعل منه مركز الكون كانت مستعدة لشيء أبسط وأصدق علاقة لا تبنى على الحاجة ولا على الخوف من الوحدة بل على اختيار يومي واع
بعد عامين كانت الطائرة المتجهة من ميامي إلى ميديين ممتلئة جلست كاتالينا في المقعد 12A وماتيو ذو العامين ونصف العام نائم في حجرها في المقعد المجاور 12B جلس أليخاندرو لكن المسافة بينهما لم تكن مجرد مسافة مقعدين بل مساحة احترام تعلما كيف يحافظان عليها
قالت له وهي تعدل بطانية ماتيو
هل أنت متوتر من لقاء أمي
ابتسم وقال
قليلا لكنها المرة الأولى التي أذهب فيها إلى كولومبيا دون خطة عمل
ضحكت
أمي لا تحب الخطط تحب الناس كما هم
نظر من النافذة ثم قال بصوت أخفض
وهذا ما تعلمته منك
استيقظ ماتيو فجأة وحدق حوله ثم قال بوضوح مفاجئ
ألي!
التفت أليخاندرو نحوه مبتسما ولم يصحح الكلمة ولم يطلب أكثر منها كان يعرف أن بعض الأدوار لا تفرض بل تمنح حين يحين وقتها إن حان
قالت كاتالينا بلطف
هل تريد أن ترى الغيوم
هز الطفل رأسه بحماس
خلال الرحلة تحدثا عن أشياء بسيطة برنامج الأسبوع طعام الأم شوارع المدينة القديمة لم يتحدثا عن المستقبل البعيد ولا عن قرارات مصيرية كان بينهما اتفاق غير معلن أن يتركا الغد مفتوحا
كانت شركة أليخاندرو قد بيعت وبقي يعمل عن بعد لكنه لم ينتقل نهائيا واصلت كاتالينا عملها في جاكسون ميموريال وبنت حياة مستقلة لم تعد قابلة للمساومة
أعلن الطيار بدء الهبوط نظرت كاتالينا من النافذة إلى الجبال الخضراء وشعرت بشيء يشبه السلام
قالت فجأة
هل تعرف ما أكثر ما تغير في
ماذا
لم أعد أحتاج أن أعرف إلى أين سنصل يكفيني أن أعرف أنني أستطيع العودة إلى نفسي إن ضعت
ابتسم أليخاندرو ولم يحاول أن يضيف وعدا أو اقتراحا
قال فقط
وأنا تعلمت أن أحب دون أن أمتلك
حين لامست الطائرة أرض ميديين صفق ماتيو بحماس
وصلنا!
حملته كاتالينا ونظرت حولها لم تشعر بأنها تعود إلى الماضي ولا بأنها تبدأ مستقبلا محدد الملامح كانت في مكان وسط مكان يشبهها الآن
وقبل أن ينزلوا قال أليخاندرو بهدوء
مهما حدث بعد هذه الرحلة شكرا لأنك علمتني أن الحب ليس صفقة
نظرت إليه وابتسمت ابتسامة صادقة بلا حزن ولا توق
وشكرا لأنك قبلت أن تمشي معي دون أن تعرف النهاية
خرجوا من الطائرة
ثلاثة أشخاص بثلاثة مسارات محتملة يجمعهم
أن يكونوا حاضرين لا أكثر ولا أقل
وفكرت كاتالينا وهي تمسك يد ماتيو
لسنا مضطرين دائما أن نصل
أحيانا يكفي أننا لم نعد نهرب