جلست بالخطأ في مقعد الدرجة الأولى… فغيّر مليونير حياتها في دقائق

لمحة نيوز

في شقتها وماتيو نائم بين ذراعيها بكت كاتالينا على دون ألبرتو وعلى ريكاردو وعلى الارتباك الذي في قلبها وعلى كل الخسارات التي حملتها في ثمانية وعشرين عاما. لكنها للمرة الأولى منذ شهور بكت أيضا على شيء قد تربحه.
بعد ستة أشهر من جنازة دون ألبرتو كانت كاتالينا في غرفة الاستراحة بمستشفى جاكسون ميموريال ترتدي الزي الأزرق الداكن الذي انتظرته طويلا. كانت قد اجتازت امتحان الترخيص في محاولتها الثانية وأخيرا حصلت على رخصتها كممرضة مسجلة في فلوريدا.
قالت لها زميلتها جيسيكا
كاتالينا هناك من يسأل عنك في الاستقبال.
كان أليخاندرو.
بدا مختلفا أنحف ومعه بعض الشيب الذي لم يكن سابقا لكن عيناه الخضراوان كانتا هما.
قال بتوتر
مرحبا. آمل ألا يزعجك أنني جئت إلى عملك.
قالت
كيف عرفت أنني أعمل هنا
قال
الدكتور كامبوس أخبرني أنك حصلت على وظيفة كاملة. أنا فخور بك.
سخنت وجنتاها. كانت قد مرت أشهر لم يلتقيا فيها ولم يتواصلا إلا برسائل قصيرة بشأن ترتيبات إرث دون ألبرتوصندوق تعليمي لماتيو حاولت رفضه دون جدوى.
قالت بصرامة
ماذا تريد يا أليخاندرو
قال
أريد أن أتحدث. أعلم أن الوقت متأخر لكن هل لديك بضع دقائق
جلسا في مقهى المستشفى عند الحادية عشرة ليلا ولم يكن فيه إلا قلة متفرقة.
قال أليخاندرو دون مقدمات
أنا في علاج نفسي منذ وفاة أبي.
رفعت كاتالينا حاجبيها
علاج نفسي
قال
نعم. الدكتور غارسيا رويث مختص في العلاج الأسري. يساعدني على فهم لماذا أحاول دائما إنقاذ الناس بالمال بدلا من أن أكون حاضرا معهم.
عبثت كاتالينا بكوب القهوة.
وماذا اكتشفت
قال
اكتشفت أنني أخاف أن يتركني الناس إن لم أكن مفيدا. ما تعلمته منذ الطفولة هو أن الحب يثبت بحل المشاكل لا بمشاركة اللحظات. وأنني أفسدت زواجي من باتريسيا للأسباب نفسها التي كدت أفسد بها ما بيننا.
قالت كاتالينا بهدوء
لم يكن بيننا ما بيننا. كنت صاحب عملي.
قال
كذب وأنت تعرفين ذلك.
تبادلا النظر لحظة. لم تستطع كاتالينا إنكار أنها شعرت بشيء خاص خلال تلك الأشهر في كورال غيبلز لكنها تذكرت أيضا الخذلان حين اكتشفت المدفوعات السرية.
قالت
لماذا تقول لي هذا الآن
قال
لأنني غدا سأعود إلى المكسيك نهائيا. بعت بيت كورال غيبلز وسأغلق مكتب ميامي.
قالت
أعرف لماذا.
قال
لأنني لا أستطيع الاستمرار في مدينة تذكرني كل زاوية فيها بك وبأبي. أحتاج أن أبدأ من جديد كما فعلت أنت عندما جئت إلى هنا.
شعرت كاتالينا بوخزة في صدرها.
قال أليخاندرو
قد يبدو هذا منطقيا لكن قبل أن أذهب كان علي أن أطلب منك الصفح. ليس لأنني ساعدتك ماليا بل لأنني كذبت بشأن ذلك. لأنني لم أثق أنك قد تقبلين مساعدتي لو عرضتها عليك بصدق.
قالت
ماذا تقصد
أخرج أليخاندرو ملفا من حقيبته.
هذه كل إيصالات المدفوعات التي قمت بها فرق تذكرة الطائرة ستة أشهر حضانة لماتيو وترتيب مع البنك في ميديين
بشأن شقتك.
فتحت كاتالينا الملف وشعرت بأن الهواء غادر صدرها. كانت المدفوعات أكثر بكثير مما تخيلت.
قالت بصوت مرتجف
أليخاندرو أنا لم أقبل سدادا لأي شيء. لا للبنك ولا للحضانة ولا حتى لترقية الطائرة.
قال
كانت هدايا لا قروض. لكن كان ينبغي أن أخبرك منذ البداية.
سألته
لماذا لم تفعل
قال
لأنني خفت أن تقولي لا. ولأنني رأيت كيف رددت حين حاولت مساعدتك باتصالات لمعادلة الشهادة. ولأنني أعرف أنك فخورة إلى حد لا تقبلين معه الصدقة.
قالت كاتالينا وهي تنظر إلى الأوراق
لم تكن صدقة كان
قال أليخاندرو
كان حبا.
سكتت لحظة ثم قالت
نعم كان حبا لكنه أدير بطريقة خاطئة.
أغلقت كاتالينا الملف وأعادته إليه.
قالت
لن أدفع لك شيئا.
قال
لا أطلب ذلك.
قالت
إذا ماذا تطلب
مد أليخاندرو يديه وأمسك يديها فوق الطاولة
أن تسامحيني. وأنه إن التقينا يوما في المستقبل لا تحملي ضغينة. وأنه حين يكبر ماتيو ويسأل عن الرجل الذي حمله في الطائرة تتحدثي عنه بخير.
بدأت الدموع تنزل على خدي كاتالينا.
قال أليخاندرو
لا يلزم أن تقولي شيئا فقط كوداع.
نهضت كاتالينا. كان عطره كما تذكر غاليا ومعه رائحة ما بعد الحلاقة التي ارتبطت في ذهنها بصباحات هادئة في كورال غيبلز.
همست وهي على صدره
سنفتقدك أنا وهو.
قال
وسأفتقدكما أكثر مما تتخيلين.
ابتعدا ببطء.
قالت كاتالينا
هل أستطيع طلب شيء
قال
كل ما تريدين.
قالت
لا تذهب غدا. أعطني أسبوعا لأفكر لأستوعب كل هذا.
سألها
أسبوعا لماذا
قالت
لأرى هل علينا حقا أن نودع أم يمكن أن نحاول أن نبدأ من جديد. لكن حقا من جديد بلا كذب بلا إنقاذ بلا مال يتوسط كل شيء.
نظر إليها أليخاندرو بأمل حذر.
ماذا تقولين
قالت
أقول إن دون ألبرتو ربما كان محقا. ربما نحن عنيدان أكثر مما ينبغي.
قال
وكيف سيعمل ذلك أنت حياتك هنا وعملك هنا وما بنيته هنا. وأنا لدي شركة في المكسيك ومسؤوليات وموظفون يعتمدون علي.
قالت
لن يكون سهلا.
قال
لا شيء يستحق يكون سهلا.
قالت
صحيح. لكن قبل ذلك أريد منك وعدا.
قال
أي شيء.
قالت
لا حركات كبيرة لا هدايا باهظة لا محاولة لإصلاح حياتي. إن كنا سنحاول فليكن كمتساويين خطوة خطوة.
ابتسم أليخاندرو لأول مرة في الحديث.
هل تعرفين ما أول شيء سنفعله كمتساويين
قالت
ماذا
قال
موعد عادي مثل الناس العاديين. عشاء في مطعم عادي حديث عادي وكل واحد يدفع نصيبه.
ضحكت كاتالينا
هل تطلب مني موعدا
قال
أطلب منك فرصة أن تقعي في حبي للأسباب الصحيحة.
قالت وهي تحاول إخفاء ارتباكها
وما الأسباب الصحيحة
قال
ستكتشفينها في الموعد.
في تلك الليلة حين وصلت كاتالينا إلى شقتها في هياليه وجدت ماتيو مستيقظا في سريره يلعب بأصابعه ويهمهم أصواتا تقترب كل يوم من الكلمات.
حملته وقالت
ما رأيك يا حبيبي هل نعطي فرصة لرجل الطائرة
ابتسم ماتيو ومد يديه نحو وجهها كأنه يقول نعم.
وللمرة الأولى منذ وفاة ريكاردو
شعرت كاتالينا أنها ربما صارت مستعدة لفتح قلبها من جديد. لا لتنقذ بل لتبني شيئا جديدا مع رجل فهم أخيرا أن الحب الحقيقي لا يأتي مع دفتر شيكات بل مع حضور وصبر وإرادة للنمو معا.
وبعد عامين كانت رحلة ميامي إلى ميديين ممتلئة لكن كاتالينا لم تعد تشعر بالقلق الذي شعرت به في أول مرة. كانت تجلس في المقعد 12A وماتيو ذو العامين ونصف العام نائم في حجرها بينما كان أليخاندرو في المقعد 12B يتفقد أوراق عمله.
همست له وهي تعدل بطانية ماتيو
هل أنت متوتر من لقاء حماتك
أغلق أليخاندرو الأوراق واعترف
متوتر جدا. أمك ستستجوبني استجوابا لا تفعله حتى الشرطة.
ضحكت كاتالينا
اهدأ. إن كنت نجوت من ستة أشهر مواعيد كنا ندفع فيها نصفا بالنصف فستنجو من دونيا كارمن.
ضحكا وهما يتذكران تلك الشهور الأولى غير المريحة حين كان على أليخاندرو أن يتعلم تقسيم الفاتورة وعلى كاتالينا أن تتعلم أن قبولها أحيانا أن يدفع عنها لم يكن وراءه نية خفية.
قالت كاتالينا وهي تلاحظ ضيق المكان على ساقيه الطويلتين
هل تندم على اختيار الدرجة السياحية
قال مبتسما
أبدا. أفضل اللقاءات تحدث حين لا نتوقعها.
كانت هذه الجملة مزحتهما الخاصة فقد قررا السفر بالدرجة السياحية اختيارا لا عجزا.
قالت كاتالينا
انظر إنه يستيقظ.
فتح ماتيو عينيه واعتدل بفضول ثم صرخ وهو يمد ذراعيه نحو أليخاندرو
بابا ألي!
كانت كلمة بابا تجعل عيني أليخاندرو تمتلئان بالدموع كل مرة. لقد تحدثا طويلا عن كيفية حفظ ذكرى ريكاردو وقررا أن يكبر ماتيو وهو يعرف قصة أبيه البيولوجي لكنه يعرف أيضا أن أليخاندرو اختار أن يكون أباه بالقلب.
قالت كاتالينا
هشش يا حبيبي نحن في الطائرة. هل تريد أن ترى الغيوم
وخلال الساعة التالية لعبا مع ماتيو وتحدثا عن برنامج الأسبوع في كولومبيا. كانت تلك أول رحلة لأليخاندرو ليلتقي رسميا بعائلة كاتالينا وجها لوجه رغم أنه كان قد تحدث عبر الفيديو مع أمها وأختها عشرات المرات.
حذرته كاتالينا
أمي صنعت حساء يكفي الحي كله. ستصر أن تأكل ثلاثة أطباق وستريد منك أن تقول إن طبخها أفضل من
قاطعها أليخاندرو ضاحكا
من حماتك المكسيكية الراحلة.
قالت
أمي لا تملك حماة مكسيكية.
قال
ستخترع واحدة للمناسبة.
كانت شركة أليخاندرو قد بيعت في العام السابق لتحالف أمريكي وبقي هو مستشارا كبيرا يعمل عن بعد من ميامي. كان القرار صعبا لكنه ضروري ليكون حاضرا في حياة كاتالينا وماتيو اليومية.
سألت كاتالينا
هل أكدت الشقة التي سنراها يوم الخميس
قال
نعم لكن تذكري مجرد مشاهدة. لا نقرر شيئا إلا حين نكون واثقين.
كانا يفكران بالانتقال إلى مكان أكبر في ميامي ربما في كورال غيبلز قرب المكان الذي عاش فيه دون ألبرتو. وكانت كاتالينا قد صارت مشرفة تمريض في نوبة النهار في جاكسون ميموريال وبدآ يتحدثان بجدية عن إنجاب طفل آخر.
سأل أليخاندرو فجأة
هل تعتقدين أن
دون ألبرتو كان سيفخر
قالت
بماذا
قال
بنا وبما آل إليه كل شيء.
أمسكت كاتالينا بيده
أظن أنه سيكون سعيدا لأنك تعلمت أخيرا أن تحب بلا دفتر شيكات ولأنني تعلمت أن أقبل المساعدة دون أن أشعر أنني أقل. لكن مساعدة حقيقية لا إنقاذا متنكرا.
كان ذلك صحيحا. خلال العامين الماضيين كانا يسيران بحذر بين رغبة أليخاندرو في تيسير الأمور وحاجة كاتالينا إلى استقلالها. عندما رغبت كاتالينا في دراسة ماجستير في إدارة الصحة عرض أليخاندرو دفع الرسوم قبلت لكن كقرض بلا فوائد تسدده شهريا. وحين أراد أن يهديها سيارة جديدة اتفقا على سيارة مستعملة موثوقة هي من اختارتها.
سأل ماتيو الذي كان يستمع
بابا ألي سنرى جدتي كارمن
قال أليخاندرو
نعم يا بطل. وستكون أول مرة أراها وجها لوجه. هل ستعجبها
نظر أليخاندرو إلى كاتالينا بذعر مصطنع
أتمنى! وأنت ماذا تظنين
قال ماتيو بمنطق طفل بسيط
أظن أنه إذا أعجبت أمي ستعجب جدتي.
أعلن الطيار أنهم سيبدؤون الهبوط إلى ميديين. نظرت كاتالينا من النافذة إلى الجبال الخضراء حول مدينتها وشعرت بمزيج من الحنين والأمل.
قالت لأليخاندرو بينما كانت الطائرة تهبط
هل تعرف ما أكثر شيء أحبه في هذه الحكاية
قال
ماذا
قالت
أنها بدأت بخطأ لكنها انتهت بما كنا نحتاجه تماما.
ابتسم أليخاندرو
تقنيا لم تنته بعد. نحن بالكاد نبدأ.
قالت
معك حق. لكنني لم أعد أخاف من المستقبل كما كنت ولا قليلا.
توقفت لحظة ثم قالت ضاحكة
حسنا ربما أخاف قليلا من أن أمي ستسألك متى سنزف.
ابتسم أليخاندرو ابتسامة غامضة
وماذا لو كان لدي إجابة جاهزة لذلك السؤال
نظرت إليه كاتالينا بدهشة
أليخاندرو دوران الأفضل ألا تكون تخطط لشيء مبالغ فيه.
قال
اطمئني. لا شيء مبالغ فيه. فقط شيء مثالي لنا.
أشار ماتيو من النافذة حين ظهرت أضواء ميديين
انظري يا أمي كولومبيا!
قالت كاتالينا
نعم يا حبيبي. هذه الأرض التي ولدت فيها والتي عرفت فيها أباك ريكاردو والتي بدأت فيها حكايتنا الجديدة.
عندما لامست الطائرة الأرض فكرت كاتالينا كم تغير كل شيء منذ تلك الرحلة اليائسة قبل عامين. كانت قد وصلت إلى ميامي أرملة مكسورة تهرب من الديون والألم وها هي تعود إلى كولومبيا ممرضة محترفة ومعها عائلة أعيد تشكيلها وخطط للمستقبل.
همس أليخاندرو وهما ينتظران النزول
هل تعرفين ماذا سأقول لأمك إن سألتني متى سنتزوج
سألته
ماذا
قال
سأقول لها حين تعطيني بركتها سيكون الخاتم جاهزا.
تسارع قلب كاتالينا.
قال وهو يطمئنها
حقا. لكن ستكون خطبة عادية تماما في مكان عادي دون موسيقى صاخبة ودون طائرات تكتب في السماء.
سألته
أين
قال
في الحديقة التي تقدم فيها ريكاردو لأمك بطلب الزواج. لأنني أريد أن نكرم حكايتنا الجديدة الحكاية التي سبقتها.
وللمرة الأولى منذ عامين سمحت كاتالينا لنفسها أن تبكي فرحا كاملا لا دموع
ارتياح ولا دموع حنين بل دموع سعادة خالصة
بما صار لديهما وبما هو آت.
قالت
أحبك يا أليخاندرو دوران.
قال
وأنا أحبك يا كاتالينا ميندوثا. أحبك أنت وكل ما سنبنيه معا.
وكان ماتيو غير مدرك لثقل اللحظة يصفق حين توقفت الطائرة تماما
وصلنا! وصلنا!
فكرت كاتالينا وهي ترفعه
نعم وصلنا.

تم نسخ الرابط