طردَ المليونيرُ المربّيةَ لأنها سمحت لأطفاله باللعب في الوحل
طرد المليونير المربية لأنها سمحت لأطفاله باللعب في الوحل لكنه حين اكتشف الحقيقة تغير كل شيء.
سيدار هيلز كاليفورنيا.
كانت الشمس تميل نحو الغروب ذهبية ثقيلة تبث دفئها على الحدائق كأن النهار يرفض الرحيل. وحين انفتح الباب الحديدي الكبير انعكس لون السماء على السيارة الفاخرة وأطلق جوليان هوثورن زفرة طويلة كأنه يحرر صدره من توتر لازمه منذ الفجر.
كان قد أنهى للتو صفقة ضخمة من تلك الصفقات التي يفترض أن تمنح صاحبها شعورا بالقوة والانتصار. لكنه بدلا من ذلك شعر بذلك الفراغ الصامت الذي اعتاد أن يتجاهله. سكون السيارة لم يكن مريحا بل بدا كإنذار بالسكون الأثقل الذي ينتظره داخل منزله.
أوقف السيارة ومد يده تلقائيا إلى هاتفه رسائل بريد إلكتروني عمل أي شيء يهرب به من ذلك الإحساس الخفي بالخدر.
وفجأة
اخترق السكون صوت غير متوقع.
ضحك.
لم يكن ضحكا مصطنعا أو مهذبا ولا ذلك الضحك المحسوب الذي يظهر الأطفال أمام الكبار. كان ضحكا صافيا حرا صاخبا بالحياة. رفع جوليان رأسه وتجمد جسده في مكانه.
في وسط العشب المشذب بعناية مثالية كان ثلاثة أطفال مغطين بالوحل من الرأس حتى القدمين يقفزون في بركة ماء صغيرة كما لو كانت ملعبهم الخاص. تناثرت قطرات الطين في كل
وبجوارهم جاثية وسط الفوضى دون تردد كانت المربية بزيها الرسمي ومريلتها البيضاء تبتسم بهدوء كأنها نقيض ساكن لذلك الجنون الجميل من حولها.
يا إلهي تمتم جوليان وقلبه يخفق بقوة. وفي تلك اللحظة شقت ذاكرته ذكرى حادة كالسهم
آل هوثورن لا يتسخون
هكذا كانت تقول والدته إليانور هوثورن بنبرة قاطعة كأن النظافة وحدها مقياس الأخلاق والقيمة.
فتح باب السيارة بعصبية ونزل. ضربته رائحة الأرض المبتلة رائحة خام حية لم يعتدها. كان ليو ومايلز التوأم البالغ من العمر أربع سنوات يصفقان ويصرخان فرحا مع كل قفزة.
أما أختهما الكبرى آفا فكانت تضحك من قلبها ضحكة لم يرها جوليان منذ زمن بعيد بعيدة كل البعد عن تلك الطفلة الهادئة الحذرة التي اعتاد رؤيتها.
رفعت المربيةكلارا بينيت التي لم يمض على توظيفها وقت طويليديها كأنها تحتفل باكتشاف ما وهمست بشيء خطفته الريح قبل أن يصل إلى أذن جوليان.
وقف مشدوها تتصارع في داخله مشاعر الغضب والذهول دون أن يدرك بعد أن هذه اللحظة العابرة الملطخة بالوحل تخفي حقيقة ستقلب نظرته لأطفاله ولنفسه رأسا على عقب.
لم يتحرك جوليان فورا.
ظل واقفا عند حافة الحديقة كأن قدميه مغروستان في الأرض يراقب المشهد
سعادة غير مضبوطة.
غير مرخصة.
اقترب خطوة فسمع آفا تقول وهي تضحك
انظر يا ليو! لقد اتسخت أكثر منك!
فضحك التوأمان وتعالت صيحاتهم وكأن العالم لا يتسع إلا لهذه اللحظة الصغيرة.
قال جوليان بصوت حاد لم يخطئ هدفه
كلارا.
لم يكن صراخا لكن حدته كانت كافية.
خف الضحك لا لأن الأطفال خافوا بل لأنهم تعرفوا إلى تلك النبرة التي تعني نهاية المتعة.
استدارت كلارا ببطء. كانت ركبتاها ملوثتين بالوحل ومريلتها البيضاء فقدت معناها منذ وقت. ومع ذلك لم يظهر عليها ارتباك ولا اعتذار متسرع. وقفت ومسحت يديها ببساطة ثم نظرت إليه مباشرة.
سيد هوثورن.
تقدم أكثر حتى صار على بعد أمتار قليلة من البركة. نظر إلى ما حوله كمدير مشروع يقيم حجم الخسائر. أقماع تدريب إطارات صغيرة آثار أقدام غارقة في الطين مشهد لا يشبه شيئا مما سمح به يوما.
قال ببرود
ما الذي يحدث هنا
أجابت بهدوء
الأطفال يلعبون.
تجهم.
هذا ليس لعبا. هذا فوضى.
أشارت بيدها إلى الأطفال
انظر إليهم جيدا.
هز رأسه ساخرا
يتعلمون الاتساخ.
رفعت كلارا ذقنها قليلا وقالت بصوت لم يرتفع لكنه كان ثابتا
يتعلمون ألا يخافوا من الخطأ.
سقطت العبارة في صدره كحجر.
لم يجب فورا. عاد صوته الداخلي يهمس آل هوثورن لا يخطئون لا يتسخون لا يخرجون عن السيطرة.
قال بحدة
أنت هنا لتتبعي التعليمات لا لتعيدي تعريف التربية.
نظرت إليه طويلا ثم قالت
وأنت هنا لتكون أبا لا حارس صورة.
ساد صمت ثقيل.
حتى الأطفال شعروا به فتوقفوا عن الحركة يراقبون وجهي البالغين بقلق صامت.
تقدم جوليان خطوة أخرى فتناثر الوحل على حذائه اللامع. نظر إليه ثم إلى الأطفال. شعر بانقباض غريب إحساس لم يكن غضبا خالصا ولا ذنبا واضحا.
قال بقرار حاسم
هذا السلوك غير مقبول. اجمعيهم. انتهى اللعب.
لم تعترض كلارا.
جثت على ركبتيها وساعدت الأطفال على الخروج من البركة. لم توبخهم لم تعتذر لهم. فقط نظرت في أعينهم وقالت
اذهبوا ونظفوا أيديكم حسنا.
تحركوا ببطء يلتفتون إلى جوليان نظرات حذرة. كانت تلك النظرات تؤلمه أكثر مما توقع.
دخل جوليان البيت دون أن ينتظر. تبعته كلارا بعد أن تأكدت من دخول الأطفال. داخل