ما لـم يقله الاحياء كاملة بقلم اسما
وهما بيغسلوها جسمها كله بقي ينزل نمل.. كل ما يغسلوها ويخلصوا ويجوا يلبسوها الكفن يلاقوا في نمل احتاروا في امرها والكل خاف ومشي من كثر النمل اللي ليظهر لحد ما جابوا مغسله عجوز اللي قالت حاجه صدمت الكل
صلي على محمد واسمع مني
لم يكن اسمها يذكر في القرية إلا همسا لأن بعض الأسماء لا تقال بصوت عال خوفا من أن تستدعي معها ذاكرتها الثقيلة وكانت هي واحدة من تلك الأسماء التي التصق بها الاتهام حتى صار حقيقة لا يناقشها أحد امرأة عاشت سنوات طويلة والناس يشيحون بوجوههم عنها ويقولون إنها كانت تخطف الأطفال وتسرقهم من أحضان أمهاتهم وتحرق قلوب أهاليهم عليهم ثم تختفي بهم فلا يعود منهم أحد ولا يعرف أحد أين انتهت أقدارهم.
كبرت الحكاية مع الزمن وتضخمت وصارت تروى للصغار لتخويفهم وصار مرورها في الطريق سببا كافيا لأن تغلق الأبواب وأن يسحب الأطفال إلى الداخل لأن الشر حين يتجذر لا يحتاج دليلا بل يكفيه التكرار.
عاشت وحدها في بيت قديم على أطراف القرية بيت لا يزوره أحد ولا تخرج منه إلا قليلا وكانت تمشي منحنية الظهر لا من الكبر فقط بل من ثقل النظرات التي تلاحقها
لم تدافع عن نفسها يوما ولم تصرخ ولم تحاول أن تبرر وكأن الصمت كان عقوبتها التي قبلتها دون محاكمة وكأنها اختارت أن تحمل الذنب كله وحدها حتى لو لم يكن كله لها.
وفي بيتها كان يعيش صبي وحيد لا يشبهها في الملامح ولا في الطباع صبي ربته منذ كان رضيعا وأقسمت أمام الجميع أنه ابنها وأنه قطعة من روحها ورغم أن الناس لم يصدقوا تماما إلا أنهم صمتوا لأن الطفل كان موجودا يكبر أمام أعينهم وكان وجوده دليلا ماديا لا يناقش.
كبر الصبي وهو يسمع الهمس ويشعر بالعيون ويعود إلى البيت محملا بأسئلة لا يملك لها إجابة وكان كلما سألها عن أبيه كانت تبتسم ابتسامة موجعة وتقول أبوك رحل ولا تريد له أن يعود وكأنها تغلق بابا لا تريد فتحه أبدا.
مرت السنوات وكبر الصبي وصارت له ملامح رجولة مبكرة بينما كانت هي تذبل بسرعة غير طبيعية كأن الزمن يأخذ منها أكثر مما يعطي وحين اشتد عليها المرض في آخر عمرها لم يدخل بيتها طبيب ولم تقف على بابها امرأة
وحين ماتت لم يبكها أحد ولم يخرج في جنازتها إلا القليل لأن القلوب كانت قد أغلقت حسابها معها منذ زمن وحين حملت إلى الغسل كان الخوف حاضرا أكثر من الحزن لأن الناس كانت تنتظر علامة ما تؤكد أن الشر الذي عاشوا يخشونه كان حقيقيا.
وحين بدأ الغسل ظهر النمل.
خرج النمل من جسدها بكثرة أربكت الجميع نمل أسود صغير يفيض من تحت الجلد لا من الأرض وكلما غسلوها عاد وكلما حاولوا تكفينها ظهر من جديد حتى فر معظم من في المكان لأن الرعب حين يجد ما يغذيه لا يتأخر.
قالوا هذه علامة.
قالوا هذا جزاء من خطفت الأطفال.
قالوا الحق لا يضيع.
وجاءوا بالمغسلة العجوز التي لا تخاف لأن من اعتاد رؤية الموت لا تدهشه علاماته جلست أمام الجسد طويلا ثم قالت بهدوء لا يشبه اتهامهم.
هذه ليست علامة ذنب كما تظنون.
نظروا إليها في دهشة فقالت وهي تشير إلى الصدر.
هذا نمل كتمان.
ثم قالت جملة لم يفهموها في البداية لكنها سكنت فيهم كشوكة.
الذنوب تصرخ قبل الموت أما الأسرار فتفيض بعده.
طلبت منهم أن يأتوا بكل ما تركته المرأة خلفها فوجدوا صندوقا
كانت المرأة تعمل في زمن قديم مع عصابة تستغل الأطفال تسرقهم لا لتقتلهم بل لتبيعهم لعائلات محرومة أو لتسليمهم لأناس لا يستطيعون الإنجاب وكانت هي الحلقة الأضعف في تلك السلسلة لا لأنها كانت أشرسهم بل لأنها كانت أكثرهم رحمة وكانت كل ورقة تحمل اسم طفل ومكانه الجديد وعائلة استلمته وتاريخ تسليمه وكأنها كانت تحفظهم لا تخفيهم.
لم تخطفهم لتؤذي أهاليهم بل كانت تستخدم في جريمة أكبر منها ولم تستطع يوما أن تعترف لأنها كانت تعلم أن الاعتراف لن يعيد طفلا واحدا بل سيقودها وحدها إلى الهلاك بينما سيظل الآخرون أحرارا.
وفي وسط الأوراق رسالة واحدة مختلفة مكتوبة بخط مرتجف قالت فيها.
أنا لا أطلب الغفران ولا أبرر نفسي أنا فقط أكتب لأنني خفت أن أموت وتضيع الأسماء.
وحين وصلوا إلى آخر الأوراق وجدوا حقيقة الصبي الذي ربته فقد كان واحدا من أولئك الأطفال وقد ربته لأنها فشلت في تسليمه لأنه حين