جريمه في جناحٍ معقم كاملة بقلم اسما

لمحة نيوز

الدكتور عز الدين المنصوري رجل تفتح له المؤتمرات الطبيه اسم له تاريخ حافل بالإنجازات وقف عاجزا عن علاج طفلته سلمي المنصوري حينما حضر فني متخصص في الكهرباء لإصلاح شيء في غرفه العنايه وصرخ بهم انه..الكوب..تخلصوا منه..
لم يكن الموت في تلك الليلة قادما بصوت عال أو بفوضى واضحة بل كان يتسلل بهدوء مريب داخل جناح العناية المركزة رقم سبعة كأنه يعرف جيدا أن المكان معتاد على السيطرة وأن أحدا لن يشك فيه حتى اللحظة الأخيرة حين يصبح الرجوع مستحيلا.
كانت سلمى مستلقية على السرير الأبيض الصغير وجسدها النحيل يبدو أضعف من أن يحتمل كل هذا الضوء البارد المنسكب فوقه من مصابيح السقف وكل تلك العيون التي تراقبه بقلق مدرب يخفي الفزع خلف أقنعة الاحتراف فالطفلة التي لم تتجاوز عامها السادس لم تكن تعاني من مرض واضح ولم تدخل المستشفى إلا لإجراء فحوصات روتينية أصر عليها والدها عز الدين منصور الرجل الذي تفتح له أبواب المؤتمرات الطبية في أوروبا قبل أن يطلب الدخول والذي تنسب إليه إنجازات جراحية تدرس في كليات الطب ومع ذلك كانت الأرقام على الشاشات تنخفض ببطء مخيف وكأن الجسد الصغير ينسحب من الحياة دون أن يترك تفسيرا.


الأطباء كانوا يتحركون حول السرير بحذر بالغ يتبادلون النظرات أكثر مما يتبادلون الكلمات وكل منهم يعيد في رأسه السيناريوهات المعروفة فلا شيء ينطبق ولا شيء يفسر هذا التدهور السريع التحاليل طبيعية القلب سليم الرئتان تعملان والدم لا يحمل أي إشارة واضحة للخطر ومع كل دقيقة تمر كان الصمت يصبح أثقل حتى إن صوت جهاز المراقبة بدا وكأنه يطرق على الأعصاب لا على الآذان.
خارج الغرفة كانت والدة سلمى تجلس على مقعد معدني ويديها متشابكتان بقوة غير طبيعية وعيناها مثبتتان على باب مغلق يفصلها عن ابنتها وعن عالم كامل من الاحتمالات التي لا تجرؤ على التفكير فيها أما عز الدين نفسه فكان يقف في نهاية الممر مستندا إلى الحائط وقد سقطت من كتفيه فجأة كل الألقاب وكل الهيبة وبدا كأي أب عاجز لا يملك إلا الانتظار.
في تلك الأثناء لم يكن محمود الكهربائي يفترض أن يكون شاهدا على أي شيء مما يحدث لقد جاء في مهمة عادية لإصلاح خلل في الإضاءة داخل الجناح ولم يكن اسمه مسجلا في أي تقرير ولم يكن أحد مهتما بوجوده من الأساس كان يتحرك بهدوء اعتاد عليه من سنوات العمل في أماكن لا يفترض أن يترك فيها أثرا لكن شيئا ما شد انتباهه لحظة
دخوله الغرفة لم يكن صوت الأجهزة ولا وجوه الأطباء بل كوب ماء بلاستيكي موضوع على طاولة جانبية قريبا من السرير في مكان لا يليق بالإهمال.
محمود لم يكن طبيبا لكنه كان رجلا قضى عمره يلاحظ التفاصيل التي لا يراها الآخرون لأن مهنته علمته أن الأخطاء الصغيرة هي أخطر ما في أي نظام وحين اقترب قليلا لمح شيئا رقيقا أبيض اللون يترسب حول حافة الكوب أثرا بالكاد يرى لكنه يعرفه جيدا لأنه رآه من قبل في بيت أخيه حين سقط ابن أخيه فجأة بلا تفسير وبعدها قالوا إن السبب تسمم غامض ولم يفتح الملف مرة أخرى.
وقف محمود مكانه لدقائق طويلة يتصارع داخله صوتان صوت يقول له إن هذا المكان لا يحتمل تدخله وإن أي كلمة قد تضعه في مشكلة لا قبل له بها وصوت آخر أعلى وأقسى يقول له إن الصمت هذه المرة قد يكلف طفلة حياتها وبينما كان يتردد رأى سلمى تتحرك بعنف خفيف على السرير وتشنجت أصابعها الصغيرة في اللحظة نفسها التي انخفض فيها النبض أكثر.
تحرك محمود دون أن يفكر أكثر تقدم خطوة ثم أخرى وقال بصوت خرج مبحوحا لكنه مسموع المية دي فيها حاجة مش طبيعية ما تتسابش جنب العيان كده.
تجمد الجو في الغرفة للحظة قصيرة التفت بيب التخدير بحدة ونظر
إليه نظرة سريعة خالية من الاهتمام ثم قال بنبرة ضجر لو سمحت ابعد إحنا شغالين هنا لكن الممرضة التي كانت تقف أقرب إلى الطاولة التقطت الكوب تلقائيا وحين لامسته شعرت بخشونة غير مألوفة على أطراف أصابعها نظرت إلى محمود ثم إلى الكوب مرة أخرى ثم رفعت رأسها وقالت بهدوء غريب خلينا نحلله بسرعة مش هنخسر حاجة.
لم يعترض أحد لأن اللحظة لم تعد تحتمل الجدال وخلال دقائق قليلة تحول الهدوء المصطنع إلى توتر حقيقي حين ظهرت نتيجة التحليل السريع مؤكدة وجود مادة سامة عديمة اللون والرائحة مذابة في الماء بتركيز قاتل لطفل في عمر سلمى وفي تلك اللحظة فقط فهم الجميع أن ما كان يحدث لم يكن لغزا طبيا بل جريمة صامتة دخلت الغرفة بثقة لأنها لم تتوقع أن يراها أحد.
بدأت الأوامر تتوالى بسرعة تم إبعاد الكوب تغيير المحاليل إعطاء مضادات السموم ومع كل دقيقة كانت المؤشرات تبدأ في الاستقرار ببطء شديد كمن يعود من حافة هاوية لا يرى عمقها وحين عاد النبض إلى إيقاع أقرب إلى الطبيعي لم يصفق أحد ولم يتنفس أحد براحة كاملة لأن الصدمة كانت أكبر من الفرح.
محمود كان قد تراجع إلى الخلف يقف قرب الباب لا أحد ينظر إليه ولا أحد يسأله عن اسمه
لكنه كان يعرف في

تم نسخ الرابط