جريمه في جناحٍ معقم كاملة بقلم اسما
داخله أن تلك الطفلة ما زالت تتنفس لأن شيئا ما بداخله رفض أن يسكت وفي الممر الخارجي كان عز الدين منصور يقف مذهولا حين خرج أحد الأطباء ليخبره أن الخطر انحسر وأن السبب لم يكن مرضا بل يدا خفية حاولت أن تقتل دون أن تترك أثرا واضحا.
وفي تلك اللحظة فقط أدرك عز الدين أن أخطر العمليات ليست تلك التي تجرى في غرف العمليات بل تلك التي تتم في الظل حيث لا ينتبه أحد إلا من اعتاد الوقوف هناك.
حاول عز الدين أن يسأل من الذي لاحظ الأمر أولا لكن الكلمات علقت في حلقه لأن الفكرة نفسها كانت ثقيلة أن حياة ابنته كانت على وشك أن تنتهي بسبب شيء بسيط إلى هذا الحد كوب ماء موضوع في المكان الخطأ بيد الشخص الخطأ وفي الوقت الخطأ ومع ذلك لم يسمح لنفسه بالانهيار الآن فهناك طفلة ما زالت بين الحياة والموت وهناك حقيقة لا بد أن تسحب إلى الضوء مهما كانت مؤلمة.
داخل الغرفة كان الأطباء يعملون بصمت أكثر توترا من ذي قبل كأنهم يحاولون تعويض اللحظة التي مر فيها الخطر دون أن ينتبهوا له وكانت الممرضة تمسك بيد سلمى تراقب تغير لونها وحرارة أطرافها بينما الأجهزة تستعيد إيقاعا أقرب إلى الطبيعي لكن لا أحد تجرأ على إعلان الأمان الكامل لأن السموم لا تؤتمن ولأن الجريمة حين تفشل مرة قد تعود أكثر دهاء.
محمود ظل واقفا قرب الباب لا يقترب ولا يغادر يعرف غريزيا أن عليه أن يبقى رغم أن كل شيء بدا وكأنه يدفعه
بعد ساعة خرج طبيب السموم وهو يحمل ملفا صغيرا وقال بصوت منخفض لكنه حاسم إن المادة التي وجدت في الماء ليست عشوائية وإنها ليست من النوع الذي يمكن أن يصل بالخطأ إلى كوب في جناح معقم بهذا الشكل بل مادة تستخدم في جرعات دقيقة جدا في المختبرات ويمكن أن تكون قاتلة إذا أسيء استخدامها وهذا يعني أن ما حدث لم يكن إهمالا بل فعلا مقصودا.
حين سمع عز الدين هذه الكلمات شعر بشيء بارد ينساب في صدره لم يكن خوفا على سلمى فقط بل إدراكا متأخرا أن حياته التي بناها على الثقة في النظام وفي الأشخاص من حوله قد تكون مليئة بثغرات لم يرها لأنه لم يضطر يوما للنظر من الأسفل حيث يرى أمثال محمود التفاصيل التي لا تكتب في التقارير.
طلب عز الدين إغلاق الجناح ومنع أي شخص من الدخول أو الخروج قبل مراجعة الكاميرات والأسماء وكان صوته هذه المرة يحمل نبرة أخرى نبرة الجراح الذي يستعد لعملية لا مجال فيها للخطأ أو الرحمة وفي الممر بدأ الأمن يتحرك بصمت ثقيل بينما العائلة كانت تبعد عن المكان بحجة الإجراءات.
الكاميرات لم تظهر شيئا صريحا في البداية مجرد حركة روتينية ممرضات أطباء عمال نظافة وعامل
لم يتكلم محمود إلا حين سأله عز الدين بنفسه عما رأى وعندما فعل شعر الرجل لأول مرة أن صوته مسموع قال بهدوء إن بعض السموم لا تحتاج أكثر من لحظة لتذوب وإن ما يترك أثرا حول الحواف هو عادة شيء صب مباشرة ولم يغسل الكوب بعده وهذا ما جعله ينتبه.
العامل تم استدعاؤه وكان شابا في العشرينات يبدو مرتبكا أكثر من اللازم يداه ترتعشان وعرقه يتصبب رغم برودة الجو وحين سئل عن توقفه قرب الطاولة لم يستطع تقديم تفسير مقنع ومع الضغط انهار واعترف أن أحدهم أعطاه زجاجة صغيرة وطلب منه أن يفرغ جزءا منها في الكوب مقابل مبلغ لم يحلم به من قبل وأنه لم يسأل لأن الحاجة كانت أقوى من الخوف.
الاسم الذي ذكره جعل الصمت يعود أثقل من أي وقت مضى لم يكن اسم غريب ولا موظف هامشي بل اسم من الدائرة القريبة طبيبة شابة تعمل ضمن الفريق الإداري الطبي كانت على خلاف قديم مع عز الدين بسبب قرار مهني دمر مستقبلها الذي كانت تراه مضمونا ولم تتخيل أن انتقامها سيصل إلى طفل.
حين واجهوها حاولت الإنكار ثم انهارت تماما وحكت كيف ظنت أن موت الطفلة سيبدو كحالة طبية
سلمى في تلك الليلة نجت لكنها لم تخرج من المستشفى إلا بعد أيام طويلة وكل يوم كان يمر كان عز الدين يمر فيه بجوار محمود في الممر ذاته يراه يعمل بصمت كما كان دائما وفي اليوم الذي سمحوا فيه لسلمى بالعودة إلى البيت طلب عز الدين أن يحضر محمود إلى مكتبه.
محمود دخل مرتبكا لا يعرف لماذا استدعي ولا ماذا ينتظر منه لكنه وجد أمامه رجلا مختلفا عن ذلك الذي رآه أول مرة رجلا ينظر إليه مباشرة دون أن يشيح بعينيه وقال له ببساطة إنك أنقذت حياة ابنتي وإن هذا لا يمكن أن يمر كأنه لم يكن.
لم يطلب محمود مالا ولم يعرف ماذا يقول فقط هز رأسه بخجل فقال له عز الدين إن بعض الأشياء لا تقاس بالمال وإنه يريد أن يضمن أن لا يظل منقذ ابنته شخصا غير مرئي مرة أخرى وبعد أشهر قليلة كان محمود يعمل في قسم الصيانة الرئيسي بعقد محترم وتأمين كامل بينما كانت سلمى تركض في ممرات بيتها تضحك دون أن تعرف أن حياتها كانت يوما معلقة بكوب ماء وبعين رجل قرر أن لا يصمت.
وفي كل مرة كان عز الدين يرى كوبا موضوعا بإهمال كان يتذكر أن أخطر ما في العالم ليس السم بل الثقة العمياء وأن النجاة أحيانا تأتي من حيث لا ينظر أحد.
جريمه في جناح معقم حكايات