رواية حياة من ورق كاملة جميع الفصول بقلم نرمين عادل همام

لمحة نيوز

جوزي استغل ثقتي وحبي له وبدأ يديني حبوب على إنها فيتامينات ومهدئات. ومع الوقت اكتشفت إنه كان بيدخلني في طريق مالوش رجوع.
لما فهمت الحقيقة قررت أنقذ نفسي وأسيبه لأن الحياة مع شخص يدمرك مش حب. دي هلاك.
نشأت في بيت فقير. بيت لا يملك من الدنيا إلا الكفاف والكرامة. كنا خمس بنات ثلاث أكبر مني. وأخت أصغر. وكنت أنا الرابعة بينهن.
وكان أبي
كان أبا ورجلا بمعنى الكلمة رجلا حمل الدنيا على كتفيه بصمت. وتعب. وشقاء. وكفاح لا ينتهي. لا ليصنع لنا حياة مترفة. بل فقط ليؤمن لنا لقمة تحفظ الكرامة. وملبسا يقي العراء. وسقفا لا يسقط فوق رؤوسنا. لم يقصر يوما بما يملك. لكن الفقر الفقر لا يرحم أحدا.
تزوجت أخواتي الثلاث الأكبر مني قبلي. اثنتان منهن عاشتا بالقرب من بيتنا في البلد نفسه. أما الثالثة فقد سافرت مع زوجها إلى أوروبا. وكانت حين تعود في الإجازات. فنلتقي جميعا في بيت أبي. أرى بعيني الفارق الصادم بين حياة أختي هناك. وحياة أختي هنا.
كانت حياتها هناك مختلفة.
زوجها متفهم. راق في تعامله. يحبها بصدق. كريم معها بينما كانت حياة أختي هنا أقسى. أثقل. أكثر خشونة. ومنذ تلك الأيام استقر في داخلي قرار صامت
إذا تزوجت يوما. فلن يكون زوجي إلا رجلا يأخذني إلى خارج هذا البلد. إلى أوروبا. تماما كما فعل زوج أختي.
أكملت دراستي. والحمد لله. بفضل الله أولا. ثم بفضل أبي الذي لم يبخل علي يوما بدعم أو تضحية. وحين تخرجت كان أقل ما أستطيع فعله رد بعض جميله. فتقدمت إلى وظيفة. وعملت. وصرت أعطيه من راتبي ما أستطيع. وأساعد أهلي قدر طاقتي.
كنت أقضي معظم وقتي على مواقع التواصل. وهناك ظهر محمد.
شاب من بلدي. لكنه

يعيش ويعمل في أوروبا.
وما إن رأيت ذلك حتى همست لنفسي
هذه أمنيتي. وربما تتحقق أخيرا.
تعارفنا بنية الزواج. كان عمري أربعة وعشرين عاما. وهو في أوائل الثلاثينات. أكبر مني بعشر سنوات تقريبا. قلت له بوضوح
أنا أريد الزواج سريعا.
فقال
إنني رجل مشغول. لا أملك وقتا للعبث. وأبحث عن فتاة من بلدي للزواج. وبصراحة ارتحت لك كثيرا.
لا أستطيع وصف فرحتي يومها. كنت أشعر أن الدنيا تفتح ذراعيها لي أخيرا. وكلما تعرفت إليه أكثر. ازداد تعلقي به أخلاقه عالية. أسلوبه راق. ناجح في عمله. مستقر في حياته. مقتدر ماديا كل ما حلمت به كان يتجسد فيه.
بقلمي نرمين عادل همام
ثم جاء اليوم الذي قال فيه
أعطيني رقم والدك.
تحدث مع أبي. وسلم عليه. وتبادلا الحديث قليلا. ثم قال له
في الصيف القادم. بإذن الله. أنا وأهلي نود أن نأتي لخطبة ابنتك.
وجاء الصيف
وجاء هو وأهله
وجاؤوا يخطبونني.
كانت تلك الزيارة بداية الحكاية اللحظة التي انفتح فيها باب الحياة على مصراعيه. ووقف قلبي أمامه مترددا. ثم مندفعا بكل ما يملك من أمل وخوف. دخل البيت يحمل في ملامحه وعدا غامضا. وجلست أرقبه بصمت. تتشابك فيه رهبة البدايات مع خجل الأحلام الأولى. حتى نطق أخيرا بما جعل صدري يمتلئ بدفء لم أعرفه من قبل
والله فاجأتيني إنت جميلة أوي.
تسللت كلماته إلى قلبي بهدوء. ثم تبعتها تلك الجملة التي صنعت في داخلي يقينا أول حين عرفت أنه أعجب بي. وأن أهلي أيضا أعجبهم محمد. فشعرت أن الطريق أمامي صار أقل وعورة. وأن القدر يربت على كتفي أخيرا بعد انتظار طويل.
هو بصراحة أعجب بيا. وأهلي عجبهم محمد.
ثم جاءت الصورة الأوسع حين تحدثت عن أهله. عن بساطتهم وطيبتهم.
عن تلك الوجوه التي لم تحمل لي سوى الارتياح والسكينة. كأنها كانت تعرفني من قبل. وكأنني أنتمي إليها دون عناء.
بالنسبة لأهله. هو بصراحة. كانوا ناس طيبين قوي.
لكن خلف هذا الاطمئنان كانت هناك غصة صغيرة تقف في صدري. اسمها أختي الكبرى التي لم تكف يوما عن إحاطتي بخوفها علي. وعن تذكيري بثقل الخطوة. وعن وضع ثقل التجربة فوق رأسي في كل لحظة. كانت كلما رأتني جالسة إلى أحلامي. اقتربت مني لتشدني إلى الأرض. وتضع أمامي الحسابات الثقيلة للعمر والمسؤولية
لا يا بنتي. ما تتسرعيش دي حياة. وده عمر. مش لعبة. الجواز مش سهل.
ثم تعود فتغمرني بنصائحها واحدة تلو الأخرى. كأنها تخشى أن أفلت من بين يديها إلى المجهول
اسألي عن كل صغيرة وكبيرة. لازم تعرفي كل حاجة التفاصيل دي مهمة قوي.
بقلمي نرمين عادل همام
وأنا في كل مرة كنت أبتسم لها بهدوء لا يخلو من عناد فقد كنت أرى بعيني ما لا تراه هي. وأشعر في قلبي بما لا تقيسه الحسابات
ما يحتاجش أسأل خلاص أهم حاجة إنه راجل كفو وناجح في حياته. ومفيش داعي أقعد أنبش.
ثم جاء اليوم المنتظر. يوم الزواج اليوم الذي لم يشبه شيئا قبله. ولا شيئا بعده. يوم شعرت فيه أنني أغادر ضفة قديمة من حياتي. وأقفز إلى أخرى جديدة تماما. وأنا أحمل في صدري قلبا طائرا من الفرح. مشتعلا بالحماس. مغمورا بالشوق إلى تلك الحياة الجديدة التي رسمتها في خيالي مرارا. كنت أرى نفسي هناك. في أوروبا. أعيش تفاصيل حلمي كما طالما تخيلته. وأؤمن أن الحياة أخيرا ستمنحني ما وعدتني به.
كان أحلى يوم في حياتي. كنت طايرة من الفرح. ومتحمسة. ومشتاقة لحياتي الجديدة اللي هستناني هناك. وكنت بحلم بالسعادة دي. وبالحياة
اللي هتتحقق فيها كل أمنياتي.
وبعد الزواج فرضت الظروف انتظارا آخر إذ اضطررنا أن نسافر هو قبلي لينجز أوراقي. ليصنع لي الطريق قانونيا حتى ألحق به. فكانت الأيام تمر بطيئة. لكنها محمولة على الأمل. على وعد اللقاء. على صورة الغد التي لا تفارق خيالي.
سافر هو الأول علشان يخلص أوراقي وتكون قانونية. وبعدها أقدر أسافر. وفعلا. أول ما خلص. وكان قلبي وقتها يعرف أن الرحلة بدأت حقا.
كانت أحلامي تتزاحم في صدري حتى تكاد تضيق بها أنفاسي. وكل أمنياتي كانت تتشكل أمامي في صورة حياة كنت أظنها بعيدة. لكن ما إن تزوجنا حتى وجدت نفسي أقف على عتبة تلك الأحلام بالفعل. اضطررنا لبعض الوقت أن نفترق مؤقتا كان علي أن أنهي أوراقي. فسافر هو قبلي. وبدأ يعمل على تجهيزها حتى تكون قانونية. وحتى يسمح لي بعدها بالسفر. لم يتأخر كثيرا. وما إن انتهت الأوراق بشكل قانوني متكامل حتى أرسل لي. وأرسل تذكرتي. وكأن العالم كله كان يتآمر ليدفعني نحوه.
وعندما وصلت إلى أوروبا. استقبلني ببيت لم أتخيله قط فيلا كبيرة. جميلة. دافئة التفاصيل. وكان لا يترك شيئا يخطر في بالي إلا ويأتي به لي. سافرنا إلى دول كثيرة. أراني أجمل الأماكن. ولم يكن يسكنني إلا في أفخم الفنادق العالمية. كانت حياة حياة لا توجد حتى في الأحلام. كان كريما معي إلى أقصى حد. يحبني. ويقدرني. ويحترمني حرفيا. وكنت أعيش معه حياة لم أكن أتجرأ يوما أن أحلم بها.
كم دللني. كم وفر لي كل شيء. وكلما نظرت حولي شعرت أن الدنيا تمد لي ذراعيها وتقول هذه مكافأتك.
أما بالنسبة لعمله ومصدر رزقه. فكان لديه مطعم صغير باسمه. وكان يعمل فيه بنفسه. وبعد فترة صار يشجعني كثيرا على
أن أتعلم وأطور من نفسي. وكان دائما يردد أن
تم نسخ الرابط