رواية حياة من ورق كاملة جميع الفصول بقلم نرمين عادل همام
إني أنا اللي قلت لك.
ارتجف قلبي.
أوعدك. بس قولي إنت خوفتيني.
تنفست بعمق. ثم قالت
أنا متأكدة إنك ما تعرفيش السر ده. أنا ما أخدتش منك الشنطة. وعلى فكرة حتى الهدايا التانية اللي كنت بتجيبيهالي كنت بديها للناس.
سألتها مذهولة
ليه
قالت بصوت ثقيل
علشان كلها من مال حرام.
صرخت دون أن أشعر
إيه! إنت بتقولي إيه! إزاي مال حرام!
طلبت مني أن أهدأ. وأجلستني.
اسمعيني للآخر. ومتخلينيش أندم إني قلت لك.
جلست وأنا أرتجف.
قولي.
قالت
جوزك بيتاجر في الممنوعات. فلوسه كلها حرام في حرام. وأنا وجوزي ما نقبلش يدخل علينا قرش حرام. المطعم اللي بيشتغل فيه ده تمويه بس علشان يبعد الشبهة عنه. المكان اللي بيقابل فيه الزباين معروف. وشريكه شغال معاه من زمان. حاول يدخل أخوه معاه. بس الحمد لله ربنا حفظ جوزي.
ثم أضافت بصوت يختنق
حصل بيني وبين جوزك مشاكل كبيرة بسبب الموضوع ده.
كنت أشعر أن وجهي تغير. وأن الدنيا تسحبني بعيدا. قامت وأحضرت لي كوب ماء.
اشربي.
كنت في صدمة كاملة.
ثم قالت
عمرك ما سألتي نفسك إزاي مطعم صغير في مكان عادي يخليه يركب أفخم العربيات. ويسكن في الفيلا الكبيرة دي. ويصرف من غير حساب عمرك ما فكرت ولو ناوية تعلمي أهله. أحب أقولك إنهم كلهم عارفين. ومش هاممهم غير الفلوس والرفاهية اللي عايشينها.
ثم أمسكت يدي بقوة وقالت
أنا ما قلت لك الكلام ده علشان أخرب بيتك. لا والله يا قلبي. لكن علشان لو بتحبيه فعلا تقفي جنبه. وتحاولي تطلعيه من العالم الخطير ده.
وكان كلامها يسقط فوق قلبي كالصواعق.
كانت كلماتها الأخيرة ترن في أذني كجرس إنذار لا يتوقف
لو بتحبيه فعلا. حاولي تطلعيه من العالم الخطير ده.
وظلت تتكلم وتتكلم. وأنا أسمع دون أن أسمع. كأن رأسي انفصل عن جسدي. لم أستطع أن أصف شعوري من الصدمة. لم أتخيل يوما أن أسمع مثل هذا الكلام في حياتي. خرجت من عندها وأنا أجر قدمي جرا. وبدأ شريط حياتي معه يمر أمام عيني. منذ تعرفت عليه كان دائما مشغولا. مشغولا على الدوام. وكم مرة عاد إلى البيت خائفا. غاضبا. لا يكلمني. وإذا سألته عما به لا يخبرني بشيء.
لم أدر كيف جمعت نفسي. شكرتها وغادرت. ثم عدت إلى البيت. أحسست بدوخة. الدنيا كانت تدور بي. لا أعرف كيف أتصرف. ولا أعرف ماذا أفعل. ولا أستوعب المصيبة التي أنا فيها. دخلت بيتي. ألقيت بنفسي على الأريكة. وتذكرت حياتي مع أهلي. لم تكن مرفهة. كنا على قد حالنا. لكن الحمد لله كل شيء كان بالحلال. أبي عمره ما ذاقنا الحرام. نظرت إلى نفسي. إلى ملابسي. إلى البيت. إلى كل شيء حولي. فاشمأززت من كل شيء.
ما هذا! كل ما حولي
كرهت حياتي التي كنت أحبها. حتى زوجي لم أعد أراه كما كنت صار في نظري غريبا لا أعرفه. وبدأ الخوف يتسلل إلى قلبي. أمعقول زوجي يعمل في مثل هذه الأمور
مر وقت. وبدأ يلاحظ أنني تغيرت. لم أعد تلك الإنسانة الأولى. فسألني
مالك إيه اللي حصلك
صارحته وقلت له
في ست أعرفها قالت لي إنك بتتاجر في الحاجات دي. وعلى فكرة هي ما كانتش تعرف في الأول إنك جوزي.
أنكر فورا
لا والله الكلام ده مش صحيح. وإنت كل حاجة تسمعيها تصدقيها
قلت له بثبات
سلامتك. ربنا اداني عقل أفكر بيه.
ثم واجهته بالأرقام الكبيرة. وبالمطعم الصغير. وبالفيلا التي نعيش فيها. وبالسيارة. وبالسفريات. وبالهدايا لأهله. وبالمساعدات لأهله وأخواته. وبأشياء كثيرة أخرى. عندها اعترف بكل شيء.
أنا لما كنت شاب صغير. أول ما جيت هنا دخلوني ناس في العالم ده. كنت جاي ما معاياش ولا جنيه. ولا فلوس. ولا أي حاجة. واحد يعرض علي عرض زي ده ما قدرتش أقاوم. قلت في نفسي أدخل شوية. أجمع مبلغ بسيط وأطلع. لكن الحقيقة ما قدرتش أطلع.
نظرت إليه طويلا. ثم قلت بصوت حاولت أن أجعله ثابتا
شوف يا محمد. يا حبيبي. صح أنا بحبك ومش بنكر ده. لكن ما تتوقعش مني أبدا أقدم رضاك ولا حبك على رضا رب العالمين. أنا مستحيل أعيش عيشة كلها حرام في حرام. ودلوقتي بما إن ما بينا عيال ولا يربطنا شيء. تختار يا أنا. يا الشغل ده.
نظر إلي بذهول.
يعني إيه
يعني يا تسيب الشغل. يا تطلقني.
كان متعلقا بي بشدة. وأنا كنت أعلم ذلك. وأردت أن أمسكه من اليد التي تؤلمه. وما إن سمع كلمة الطلاق حتى انقلب حاله فجأة. صار يبكي ويتوسل إلي ألا أتركه ولا أتخلى عنه. كان صوته مكسورا. ويداه ترتجفان. ووجهه يشي بخوف حقيقي من فقداني. قال لي إن العالم الذي دخل فيه خطير. وإنه لا يستطيع أن يتركه فجأة هكذا. لكنه وعدني أن ينسحب منه. وعدني وعدا مؤكدا. فقط يحتاج بعض الوقت ليخرج بطريقة آمنة دون أن يؤذوه.
كنت أستمع إليه وقلبي يتأرجح بين حبي له وخوفي منه.
أوكي. هديك فرصة ووقت. وبعدها ما تلومش غير نفسك. من اللحظة دي أنا مش هقبل آكل قرش حرام تاني. أنا هاشتغل وأصرف على نفسي.
قال لي بنبرة يائسة
اعملي اللي إنت عايزاه. بس ما تسيبينيش.
وفعلا اشتغلت وصرفت على نفسي. ومنذ ذلك اليوم لم آخذ منه ولا جنيه واحد. عشنا على هذا الحال سنة كاملة. خلال تلك السنة كان يعود في كل مرة ليقول إن عنده ديونا. ويسوف. ويحلف أن هذا آخر عمل وآخر مرة. ويستحلفني بالله أن أصدقه. ويقول إنه لا يستطيع العيش بدوني. وفي كل مرة كنت أمنحه فرصة جديدة.
وفي النهاية حددت له تاريخا
تخيلي
بقلمي نرمين عادل همام
صار يضع لي نوعا من الممنوعات في أكلي دون أن أدري. وبدأت أفقد نفسي. مرة أكون مكتئبة. مرة حزينة. مرة لا أطيق أحدا. أعتزل الجميع وأكسر كل شيء حولي. ومرة أخرى أكون في نشوة غريبة. فرحة بشكل مبالغ فيه. كأنني أطير في السماء. كان يفعل ذلك بي شهورا طويلة. وأنا لا أدري. لا أفهم ما الذي يحدث في داخلي. كنت أظن أنني مسحورة. أو محسودة. أو مريضة نفسيا. أو أعاني اكتئابا. أو اضطرابا في الهرمونات. أو ضغط الغربة. حتى قلت لنفسي لا بد أن أزور أهلي. أنا لم أعد أعرف نفسي.
وذات يوم جاءني وقال
عندي لك حبوب فيتامينات مقوية. وفي نفس الوقت مهدئة للأعصاب. بيستعملوها للاكتئاب. طبيعية من أعشاب. ومش مضرة. أنا مجربها. بتحسن حالتي جدا.
وثقت فيه كالساذجة. وبدأت أبتلع تلك الحبوب بنفسي. كنت أسأله عن العلبة. أريد أن أراها. لكنه لم يكن يعطيني إياها. ومع الوقت لم أعد أعرف طعم الحياة بدون تلك الحبوب التي كان يسميها حبوب علاج الاكتئاب. صرت أظن فعلا أنني مريضة اكتئاب. انعدم كل شيء في داخلي تقلب مزاجي. هلوسات أسمعها وأراها. دمرني تماما. سلمني للهلاك. للموت. فقط كي لا أطلب الطلاق.
وفي مرة فتحت الإنترنت وبحثت عن الأعراض التي أعانيها. فوجدت من يقول إنها آثار أدوية نفسية. قلت لنفسي أنا لا أتناول دواء نفسيا.
إذا هذا ليس سببي. وواصلت البحث حتى وجدت مواقع تذكر أن هذه أعراض مادة تلك المادة نفسها التي أخبرتكم عنها. هنا توقفت. خفت. جاءني شك لا يمكن تجاهله فهو أصلا يتاجر في هذه الأمور. لا بد أن أتأكد.
وفي مرة أعطاني الحبة. تظاهرت أنني ابتلعتها أمامه. لكنني خبأتها. خرجت من البيت. صادفت بعض الأشخاص. أريتهم الحبة وسألتهم عنها. صدمت حين قالوا لي اسمها المعروف لديهم. نعم. هي نفسها تلك التي أخبرتكم عنها. قالوا لي
دي نوع من اللي إنت عارفاه.
عدت إلى البيت وأنا في حالة يرثى لها. فقدت الثقة في نفسي. في زوجي. في بيتي. مشاعر لا أستطيع وصفها. والله لا أتمناها حتى لعدو خيبة. كره. انكسار. أدركت أنني انتهيت. وأنني لا أستطيع العيش دون تلك الحبوب.
جمعت شجاعتي وذهبت إلى بيت أخيه. وأخبرت أخاه وزوجته بكل شيء. صدم أخوه صدمة شديدة.
بقلمي نرمين عادل همام
والله ما عارف أقول لك إيه. ولا حتى أعرف أساعدك إزاي. أنا مصدوم. ما توقعتش يعمل فيك كده. إنت مراته. في حد يدمر مراته ويعرضها للخطر بنفسه اسمعيني. ارجعي بلدك وأهلك. أنا
خرجت من عندهم. وعلى الرغم من ألمي وقهري. لم أسمع نصيحته. قلت في نفسي
والله لأنتقم منه. والله ما أسيبه في حاله. لازم أحط حد للشيطان ده.
ومن بيت أخيه توجهت مباشرة إلى الشرطة. قدمت بلاغا بكل التفاصيل. أخذوني إلى مركز خاص برعاية النساء المعنفات. ورفعت دعوى طلاق فورا. صار عليه قضيتان الأولى بسبب ما أوصلني إليه من إدمان. والثانية دعوى الطلاق.
جاء محاميه قابلني وقال
أقول لك حاجة. وإنت حرة. هو رجل خطير. هيسحبك في المحاكم بالقضية الأولى والتانية. وممكن يعمل فيك أسوأ مما تتخيلي. وإنت أصلا ما عندكش دليل إنه هو اللي دفعك للحالة دي.
قلت له
ما عنديش دليل.
قال
يبقى القرار راجع لك.
قلت له بثبات
طيب الطلاق.
قال لي المحامي بهدوء
عادي. تقدري تاخديه.
جلست أفكر قليلا. ثم كان قراري واضحا في داخلي أنا سأطلب الطلاق فقط. لن أنتقم. وبناء على ذلك تنازلت عن الدعوى التي كنت قد رفعتها.
بعد ذلك نقلت إلى مركز علاج الإدمان. مكثت فيه أسبوعا كاملا. ثم نقلت إلى مستشفى الأمراض العقلية. تخيلوا إلى أي حد أوصلني. قالوا إن حالتي كانت مستعصية للغاية. فحسبنا الله ونعم الوكيل. كانت أصعب مرحلة مررت بها في حياتي. لم أعد أعرف شيئا عن الدنيا. وبقيت في مستشفى الأمراض العقلية شهورا أتلقى العلاج. حتى شفاني الله شفاء كاملا ونهائيا من ذلك البلاء الذي كنت فيه.
بقلمي نرمين عادل همام
ثم تطلقت أخيرا. والله إنهم لم يقصروا معي الجمعيات التي هناك وقفت بجانبي حتى وجدت عملا في مدينة أخرى. بعيدة عن تلك المدينة. لكنها في نفس أوروبا. وجدت سكنا. اعتمدت على نفسي. صرت مسؤولة عن كل أموري. وعشت وحدي. وتكيفت بسرعة مع حياتي الجديدة. كنت مرتاحة وسعيدة.
أما سلفتي. فعلاقتي بها ما زالت مستمرة حتى اليوم. لا زلنا صديقات وأخوات. والله العظيم إنها الأخت التي لم تلدها أمي.
وبعد سنتين تقريبا تقدم لي رجل للزواج. وتزوجت. والحمد لله حياتي اليوم هادئة مستقرة. نعمل معا. نكسب ونأكل من مال حلال. من جهدنا وتعبنا. وصرت أما لطفل يا رب لك الحمد.
حقا ليس كل ما يلمع ذهبا. وقرار الزواج لا ينبغي أن يتخذ إلا بعد التحري عن الطرف الآخر في أدق الأمور. وصدقا. العلاقات التي لا ترضي الله نهايتها لا يمكن أن ترضيك. ابتعدوا عنها. وابحثوا عن التفاصيل التفاصيل التفاصيل.
المال مهم. نعم. لكن لا تجعلوه أكبر همكم حتى يعميكم عن كل شيء آخر.
اعرفوا دائما مصدر المال الذي ينفق عليكم أهو حلال أم حرام
وخافوا ممن لا يخاف الله
تمت.
بقلمي
نرمين عادل همام