كانت الخادمة تسمع بكاءً صادرًا من داخل صندوق خشبي ضخم كل ليلة
أصيب بصعقة كهربائية. أغلقت الغطاء بسرعة لكن ليس تماما ووضعت الملاءة فوق الصندوق كما كان محاولة إخفاء كل أثر لما فتحته. بالكاد أنهت ذلك حتى انفتح باب الغرفة بصرير خافت.
دخل داميان غافيريا.
وقف عند المدخل أنيقا كعادته بدلة رمادية داكنة وربطة عنق مضبوطة بدقة وعينان باردتان تفحصان المكان كما لو كان يقرؤه سطرا سطرا. توقف نظره عند كاميلا التي كانت تقف في منتصف الغرفة شاحبة متيبسة.
انتهيت مبكرا. قالها بنبرة لا تحمل سؤالا.
ابتلعت ريقها.
كنت كنت أنظف هنا فقط.
تقدم بخطوات بطيئة. شعرت كاميلا أن كل خطوة يخطوها تقربه من الصندوق من السر من الكارثة. توقف على بعد خطوات منها ونظر إلى الطاولة الجانبية.
كان المفتاح مفقودا.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة لكنها لم تصل إلى عينيه.
هل لمست شيئا كاميلا
هزت رأسها بسرعة.
لا. أقسم.
حدق فيها طويلا. كان الصمت ثقيلا إلى درجة أنها شعرت به يضغط على صدرها. ثم قال بهدوء مخيف
جيد. لأن بعض الأشياء لا ينبغي فتحها.
ثم استدار وغادر الغرفة تاركا الباب مفتوحا خلفه.
لم تتحرك كاميلا إلا بعد أن اختفى صدى خطواته تماما. انهارت على الكرسي وجسدها يرتجف بعنف. كانت تعلم في تلك اللحظة أن ما رأته لن يمحى من ذاكرتها أبدا.
انتظرت دقائق طويلة ثم عادت ببطء إلى الصندوق. رفعت الغطاء قليلا.
كانت عينا أليساندرو مفتوحتين مليئتين بالهلع.
سيقتلني إن علم. قالها بسرعة وهمس. كما
شهقت.
ماذا تعني
تنفس بصعوبة ثم قال
كنت شريكه منذ ثلاثين عاما. بنينا ثروته معا. وعندما قررت الانسحاب اكتشفت شيئا لم يكن يجب أن أكتشفه.
اقتربت كاميلا أكثر كأن قوة خفية تشدها إلى كلماته.
أي شيء
فتح فمه ليتكلم لكن فجأة دوى صوت عصا خشبية تضرب الأرض في الممر.
صوت السيد مونتينيغرو نفسه.
تصلبت كاميلا في مكانها. أغلقت الصندوق بسرعة وغطته بإحكام وعادت إلى عربة التنظيف تحاول أن تبدو طبيعية.
دخل الملياردير العجوز الغرفة جسده نحيل ظهره محني لكن عينيه كانتا حادتين على نحو لا يتناسب مع عمره.
نظر حوله ببطء ثم قال بصوت واهن
هل سمعت شيئا يا فتاة
شعرت كاميلا أن قلبها سيتوقف.
لا سيدي.
اقترب بخطوات ثقيلة من الصندوق ووضع يده فوقه.
ابتسم.
وفي تلك اللحظة أدركت كاميلا حقيقة مرعبة
لم يكن الصندوق سرا منسيا.
كان سجنا مقصودا
وسيد القصر كان يزور سجينه كل ليلة ليستمع إلى بكائه.
لم تنم كاميلا تلك الليلة.
كانت صورة يد السيد مونتينيغرو فوق الصندوق تطاردها كلما أغمضت عينيها. لم تكن لمسة عابرة بل لمسة مالك يتفقد ملكه. وحين تذكرت الابتسامة التي ارتسمت على وجهه العجوز أدركت أن ما يحدث في الجناح الشرقي ليس جنون رجل مسن بل نظام متكامل من الصمت والرعب.
في الصباح عادت إلى القصر وقلبها مثقل بالخوف والقرار. كانت تعلم أنها إن تجاهلت ما رأته فستكون شريكة في جريمة بطيئة. وإن تكلمت فقد تدفع الثمن حياتها
مر النهار ثقيلا. لم يظهر السيد مونتينيغرو ولم يطلب داميان منها دخول الجناح الشرقي. لكن مع حلول المساء استدعاها المحامي إلى مكتبه.
جلست أمامه وأصابعها متشابكة بقوة.
قال وهو يقلب بعض الأوراق
السيد مونتينيغرو لاحظ ارتباكك بالأمس.
تجمد الدم في عروقها.
هل هل أخطأت في شيء
رفع نظره إليها وفي عينيه لمعة حذرة.
في هذا القصر يا كاميلا الطاعة ليست خيارا بل شرط بقاء.
صمتت فاقترب منها بصوته أكثر
أحيانا نرى أشياء لا نفهمها. وأحيانا يكون الجهل نعمة.
خرجت من المكتب وهي تدرك أن داميان يعلم. ربما لم ير الصندوق مفتوحا لكنه يشم الحقيقة كما يشم المحامي رائحة الخطر.
تسللت ليلا إلى الجناح الشرقي. كانت قد أخفت هاتفها في جيب مريلتها وتسلحت بمفتاح الصندوق. رفعت الغطاء ببطء.
كان أليساندرو أضعف.
ظننتك لن تعودي. قال بصوت مكسور.
لن أتركك. همست. لكن يجب أن تخبرني بكل شيء.
تنفس بعمق وكأن الكلمات نفسها مؤلمة.
مونتينيغرو لم يكن وحده. كنا خمسة شركاء. كنا نزور وثائق نبتلع أراضي الفقراء نشتري الصمت. وحين قرر اثنان الانسحاب ماتا في حادثين مختلفين.
اتسعت عيناها.
وأنت
أنا اكتشفت أن لديه سجلا سريا. حسابات أسماء رشاوى حاولت ابتزازه. فحبسني هنا. حيا. كي أتعفن دون جثة.
شعرت بالغثيان.
ولماذا لم يقتلك
ابتسم بمرارة.
لأنه يستمتع بالسلطة. يستمتع بأن يسمعني أبكي كل ليلة.
أخرجت هاتفها وصورت السلاسل وجهه الصندوق.
سأبلغ الشرطة.
اهتز جسده.
لا. داميان سيعرف. والشرطة هو من مول حملاتهم الانتخابية.
ترددت. ثم قالت بحزم
إذا سنجعل الحقيقة أعلى من نفوذه.
في اليوم التالي حدث ما لم يكن في الحسبان.
سقط السيد مونتينيغرو مريضا فجأة. نقل إلى المستشفى تحت حراسة خاصة. القصر غرق في الفوضى. داميان تنقل بين المكالمات كذئب محاصر.
في تلك الليلة عادت كاميلا إلى الجناح الشرقي للمرة الأخيرة. فتحت الصندوق وبدأت بفك السلاسل بمفتاح وجدته في درج قديم.
كان أليساندرو يبكي.
لن أنسى هذا.
ولا أنا. قالت.
لكن قبل أن يخطو خارج الصندوق انفتح الباب خلفها.
داميان.
وجه إليهما مسدسا كاتم الصوت.
كنت فتاة ذكية لماذا اخترت أن تكوني بطلة
وقفت كاميلا أمام أليساندرو دون تفكير.
لأن الصمت جريمة.
ابتسم داميان بأسف.
السيد مونتينيغرو علمني شيئا واحدا من يعرف السر يجب أن يختفي.
وقبل أن يضغط الزناد دوى صوت صفارات الشرطة في الخارج.
تجمد داميان.
دخل الضباط يتقدمهم رجل يحمل أمر
تفتيش رسمي.
انهار المحامي على الكرسي.
بعد ساعات كان القصر محاطا بالإعلام. تبين أن مونتينيغرو لم يكن مريضا فقط بل أدخل في غيبوبة بعد محاولة تسميم فاشلة بأدلة قادت مباشرة إلى داميان.
أطلق سراح أليساندرو.
انهارت الإمبراطورية.
بعد أشهر وقفت كاميلا أمام مبنى جامعي جديد تدفع آخر قسط لأختها. لم تعد خادمة. أصبحت شاهدة.
وفي إحدى الليالي مرت بجوار صندوق خشبي معروض في
توقفت لحظة.
ثم ابتسمت.
لم يعد يبكي أحد في الداخل.
النهاية.