ذهب ليحاسب عاملة النظافة فاكتشف سرًا قلب حياته رأسًا على عقب
هددوني. قالوا إنني إن فتحت فمي فلن أرى الطفل مرة أخرى.
سقطت الكلمات كالسكاكين.
أحس روبرتو أن الأرض لم تعد ثابتة تحت قدميه. كم قرارا اتخذه في حياته باسم المصلحة كم شخصا تجاهله لأنه لم يكن ضمن حساباته
وها هو الآن يرى نتيجة تلك العقلية متجسدة في جسد طفل نحيل.
اقترب ببطء من الفراش وجلس على الأرض. لم يهتم ببدلته الباهظة ولا بساعته الثمينة. مد يده ولمس جبين الطفل.
قال بقلق
إنه يحترق.
قالت ماريا إلينا بسرعة
الحمى لا تنخفض منذ يومين. الطبيب قال إننا بحاجة إلى علاج خاص لكنني لا أستطيع تحمل التكاليف.
لم ينتظر جوابا. أخرج هاتفه وأجرى اتصالا واحدا فقط.
قال بهدوء لا يقبل النقاش
جهزوا جناح الطوارئ. أريد فريقا كاملا الآن.
ثم نظر إليها
سنذهب فورا.
ترددت
سيدي
قاطعها
لا نقاش. هذا الطفل من عائلتي.
خرجوا بعد دقائق. لم يلتفت روبرتو إلى نظرات الجيران ولا إلى دهشتهم وهم يرون المليونير يحمل طفلا بين ذراعيه. كان عقله في مكان آخر وقلبه في معركة لم يخضها من قبل.
في المستشفى تحول كل شيء إلى حركة محمومة لا تهدأ. أطباء يمرون مسرعين
الانتظار
ذلك الشعور الذي طالما احتقره لأنه لا يخضع للحسابات ولا يستجيب للأوامر ولا تسرعه الثروة.
كان معتادا أن تفتح الأبواب فور دخوله أن تنفذ القرارات في اللحظة نفسها أن تحل المشكلات بتوقيع واحد. أما هنا فلم يكن سوى رجل يقف صامتا يحدق في باب مغلق ويعلق قلبه على أمل لا يملك السيطرة عليه.
جلست ماريا إلينا على أحد المقاعد البلاستيكية الباردة تضم يديها إلى صدرها كأنها تحاول أن تحمي قلبها من الانكسار. كانت شفتاها تتحركان بدعاء متقطع كلمات غير مكتملة تختلط فيها الرجاءات بالدموع. لم تكن تبكي بصوت مرتفع كان حزنها صامتا عميقا يشبه حزن من تعود أن يتألم دون أن يراه أحد.
اقترب منها روبرتو بخطوات مترددة. لم يعرف كيف يبدأ الحديث. الكلمات التي كان يتقنها في قاعات الاجتماعات بدت فجأة ثقيلة غير مناسبة.
قال أخيرا بصوت منخفض
لماذا بقيت تعملين عندي كل هذا الوقت
لم ترفع رأسها. بقيت عيناها معلقتين بالأرض وقالت بصوت هادئ يحمل سنوات من الصبر
لأن صوفيا كانت تقول لي دائما إن احتجت يوما إلى حماية الطفل فكوني قريبة من أخي رغم قسوته قلبه ليس شريرا.
أغلقت الكلمات شيئا في صدره وفتحت أشياء أخرى دفعة واحدة.
أغمض عينيه وكأن الاسم وحده صار كافيا ليعيد تشكيل العالم من حوله.
كم أخطأت يا صوفيا
لكن كم كنت على حق.
مرت الساعات بطيئة ثقيلة كأن الزمن فقد قدرته على الحركة. كان روبرتو يجلس حينا ثم يقف ثم يعود إلى الوقوف. ينظر إلى الساعة دون أن يدرك الوقت يمشي في الممر ثم يعود إلى النقطة نفسها كأن قدميه لا تعرفان طريقا آخر.
وفي كل مرة يفتح فيها باب غرفة العمليات كان قلبه يقفز إلى حلقه ثم يعود لينقبض من جديد.
وحين خرج الطبيب أخيرا توقف الزمن تماما.
تقدم الطبيب بخطوات ثابتة وعلى وجهه ملامح تعب ممزوجة بالاطمئنان وقال
تدخلنا في الوقت المناسب. الطفل سيعيش لكن علاجه سيكون طويلا وسيتطلب متابعة دقيقة.
لم يسمع روبرتو بقية التفاصيل.
الكلمة
سيعيش.
شعر بأن الهواء عاد فجأة إلى رئتيه. تنفس بعمق وكأنه يتعلم التنفس من جديد.
قال دون تردد وبنبرة لم تحمل أي نقاش
افعلوا كل ما يلزم.
ومنذ ذلك اليوم لم تعد حياة روبرتو كما كانت.
لم يعد المكتب مكانا صامتا من زجاج بارد ولا صارت الاجتماعات أهم ما في يومه.
صار يزور المستشفى كل صباح لا بصفته رجل أعمال بل بصفته إنسانا يتعلم الإصغاء.
صار يجلس قرب أسرة الأطفال يسمع قصصهم يرى الخوف في أعين أمهاتهم ويتعرف على أوجاع لم يكن يراها من قبل.
صار يدرك كم من الألم كان يمر بجانبه يوميا دون أن يلتفت.
وبعد أسابيع حين عاد دييغو إلى البيت الجديد بيت لم يكن يعرفه لكنه احتضنه بهدوء وقف روبرتو أمام صورة صوفيا المعلقة على الجدار. لم تكن الصورة مجرد ذكرى بعد الآن كانت شاهدا على طريق لم يفهمه إلا متأخرا.
قال بصوت خافت يكاد يكون همسا
سامحيني تأخرت لكنني وصلت.
لم يعد يبحث عن أغلفة المجلات ولا عن الأرقام القياسية ولا عن إعجاب العالم الخارجي.
صار يبحث عن شيء واحد فقط
أن يكون حاضرا
أن لا يؤجل المشاعر
وأن