أمٌّ عزباء أضاعت مقابلة عملٍ كانت ستُنقذ حياتها
لم تكن لطيفة معها منذ زمن.
حل المساء ثقيلا.
تناولتا عشاء بسيطا أرز وبقايا دجاج.
لونا نامت سريعا مرهقة من القلق أكثر من اللعب.
أما كاميلا فبقيت مستيقظة.
فتحت هاتفها قرأت البريد الإلكتروني مرة أخيرة كأن الرد قد يظهر فجأة
نأسف لقد تم شغل المنصب.
لم يصل شيء.
ولا حتى الرفض.
وفي تلك اللحظة همست لنفسها بصوت بالكاد يسمع
أنا عملت الصح صح
في الجهة الأخرى من المدينة كان سباستيان سالاثار يجلس في غرفة المستشفى يراقب أجهزة المراقبة حول سرير والدته.
الأطباء طمأنوه
ضربة خفيفة ارتباك مؤقت تحتاج للمراقبة فقط.
لكن عقله لم يكن مع التقارير الطبية.
كان مع المرأة.
تلك التي ركعت على الإسفلت دون أن تعرف من تكون أمه.
لم تسأل عن اسمها.
لم تنتظر شكرا.
ولم تغادر حين كان الوقت يضغط عليها بوحشية.
قال الطبيب وهو يراجع الملف
لو لم تتدخل بسرعة ربما
نظر سباستيان إلى الشاشة الخضراء ثم قال بهدوء
من كانت المرأة التي معها
رفع الطبيب كتفيه
لا نعرف لكنها كانت تعرف ماذا تفعل.
وهنا شعر سباستيان بشيء غريب.
ذلك النوع من الشعور الذي لا يعرفه من اعتاد أن تفتح له الأبواب دون أن يطرق.
قال في سره
بعض الناس لا يملكون شيئا ومع ذلك يعطون كل شيء.
وفي تلك الليلة اتخذ قرارا.
في صباح اليوم التالي استيقظت كاميلا على صوت طرق خفيف على الباب.
فتحت عينيها بتثاقل.
نظرت إلى الساعة الثامنة صباحا.
لم تنتظر أحدا.
قالت لونا من السرير
مين يا ماما
شدت كاميلا روبها البسيط وتقدمت نحو الباب بخطوات حذرة.
نظرت من العين السحرية
وتجمدت.
رجل أنيق في الأربعينيات ملامحه هادئة لكن حضوره يملأ المكان.
إلى جواره سائق وسيارة سوداء فاخرة متوقفة أمام العمارة.
فتحت الباب ببطء.
قال الرجل بابتسامة مهذبة
صباح
ترددت
نعم أنا هي. في شيء
أخرج بطاقة صغيرة
اسمي سباستيان سالاثار.
توقف الزمن.
الاسم لم يكن غريبا.
كان يذكر في الأخبار في الإعلانات في لوحات المستشفيات الكبرى.
قال بهدوء
أنا ابن السيدة التي أنقذتها أمس.
وضعت كاميلا يدها على فمها دون وعي
السيدة هل هي بخير
ابتسم
بفضلك نعم.
ثم صمت لحظة وأضاف الجملة التي لا تقال إلا في قصص اليوتيوب التي تغير المصائر
لكن ما فعلته لا يمكن أن يمر هكذا.
شعرت كاميلا بدوار خفيف.
أنا عملت اللي لازم يتعمل.
هز رأسه
وهذا بالضبط سبب مجيئي.
دخل إلى الشقة المتواضعة دون تكبر.
نظر حوله الجدران البسيطة الأثاث القديم آثار تعب طويل لا يحتاج شرحا.
قال فجأة
كنت ذاهبة لمقابلة عمل أليس كذلك
اتسعت عيناها
كيف
سمعت ابنتك.
نظرت إلى لونا التي كانت تقف خلف الباب تراقب المشهد بدهشة.
تنفس سباستيان بعمق
في شركتنا نبحث عن ممرضات طوارئ لكن قبل الكفاءة نبحث عن البشر.
مد لها ظرفا أنيقا.
فتحت كاميلا الورقة بيدين مرتجفتين.
عرض عمل.
راتب أعلى مما حلمت به.
تأمين كامل.
وساعات تراعي وضعها كأم عزباء.
شهقت
هذا هذا خطأ.
ابتسم
لا. هذا اختيار.
ثم قال الجملة التي تختتم بها مثل هذه القصص
أحيانا حين تخسر شيئا لأنك فعلت الصواب تربح أكثر مما توقعت.
اغرورقت عينا كاميلا بالدموع.
لم تبك على الوظيفة
بل على أن العالم ولو مرة واحدة لم يكن قاسيا.
احتضنت لونا ساق أمها وهمست
ماما يعني هنبقى كويسين
انحنت كاميلا وضمتها وقالت بصوت مبحوح
آه يا حبيبتي كويسين قوي.
وقف سباستيان عند الباب ثم التفت وقال
وأمي تطلب أن تزوريها حين تستطيعين.
تقول إنك ذكرتها بأن الخير لا يزال حيا.
أغلق الباب.
وبقيت كاميلا واقفة في منتصف الغرفة تحمل ورقة غيرت
وفي مكان ما كانت الحياة تهمس
من يفعل الصواب قد يتألم لحظة لكن العوض يأتي حين لا تتوقعه.