إنه يشبه ابنك المفقود

لمحة نيوز

تقدّم ماركوس كالدويل بخطواتٍ محسوبة، إلى جوار فيكتوريا هايز، التي بدت كعادتها متماسكة الملامح، أنيقة التفاصيل، وكأن شيئًا في العالم لا يستطيع أن يربكها.
على بُعد خطوات، كان مدخل فندقٍ فاخر يلمع بواجهته الزجاجية، موعدٌ مؤجَّل منذ أسابيع مع رجال يعرفون الأرقام أكثر مما يعرفون الوجوه. كل شيء كان محسوبًا… باستثناء تلك اللحظة.
توقّفت فيكتوريا فجأة، لا بسبب مكالمة، ولا لأن حذاءها آلمها، بل لأن شيئًا شدّ انتباهها بقسوة. أمسكت بذراع ماركوس لا لتستند، بل كأنها تخشى أن يفلت منها.
«ماركوس…»
نطقت اسمه ببطء، وكأنها تختبر صداه.
التفت، مستعدًا لامتعاضٍ عابر، لكن تعبير وجهها أربكه. اتبع خطّ نظرها، فتلاشى انزعاجه دفعة واحدة.
على جانب الطريق، جلس طفلٌ وحده. لم يكن المشهد غريبًا في مدينةٍ كهذه، لكن هيئة الصبي كانت كافية لتُربك أي قلب. جسدٌ نحيل أكثر مما ينبغي، قدمان عاريتان، وملابس فقدت لونها الأصلي. كان يحتضن ساقيه بقوة،

كأن العالم من حوله أبرد مما يبدو.
قالت فيكتوريا بصوتٍ خافت:
«هل تراه؟»
لم يُجب.
كان مأخوذًا بتفصيلة بعينها… تلك العلامة الصغيرة على خدّ الصبي الأيسر. علامةٌ حفظها عن ظهر قلب، لا من صورة، بل من ذاكرة لم تخنه يومًا.
«هذا مستحيل…» تمتم ماركوس.
لكن المستحيل كان أمامه.
تقدّمت فيكتوريا خطوة، ثم أخرى، حذرةً في نبرتها حين قالت:
«مرحبًا… هل أنت بخير؟»
رفع الصبي رأسه ببطء، وفي اللحظة التي التقت فيها عيناه بعيني ماركوس، شعر الأخير بشيءٍ ينكسر داخله. اللون نفسه. النظرة نفسها التي كان يراها كل صباح في عيني امرأة رحلت مبكرًا.
سألت فيكتوريا، وقد انخفض صوتها أكثر:
«أين عائلتك؟»
هزّ الصبي كتفيه، وقال بصوتٍ أجشّ، كأنه لا يستخدمه كثيرًا:
«ما عنديش حد.»
تقدّم ماركوس خطوة من دون أن يشعر.
«اسمك إيه؟»
تردّد الصبي قبل أن يجيب:
«دانيال.»
توقّف الزمن.
لم يكن الاسم وحده ما أفزعه، بل الطريقة التي نُطق بها… كما لو أن الاسم كان نائمًا
في ذاكرة الصبي، لا ينتمي إليه بالكامل ولا يستطيع التخلّي عنه.
قالت فيكتوريا، محاولة الحفاظ على رباطة جأشها:
«دانيال إيه؟»
خفض الصبي رأسه مرة أخرى.
«مش فاكر.»
شعر ماركوس بثقلٍ خانق في صدره.
لم يمدّ يده. لم يسأل أكثر.
فقط وقف هناك، بين عقلٍ يصرخ بالمنطق، وقلبٍ يطالب بحقٍ لم يُحسم منذ اثنتي عشرة سنة.
لم يكن ماركوس يعرف كم من الوقت مرّ وهو واقف أمام الصبي. دقيقة؟ خمس؟ أم أن المدينة كلها توقّفت احترامًا لارتباكه؟
كان دانيال ما يزال جالسًا في مكانه، ينظر إليهما بنظرة حذرة، كحيوانٍ صغير تعلّم أن البشر لا يقتربون إلا ليأخذوا شيئًا.
قال ماركوس أخيرًا، محاولًا أن يجعل صوته طبيعيًا:
«منذ متى وأنت هنا؟»
هزّ الصبي رأسه قليلًا.
«من بدري.»
«بدري إمتى؟»
«مش عارف… الصبح.»
نظرت فيكتوريا إلى ماركوس نظرةً سريعة. كانت تلك الإجابات المبتورة تزيد الأمر ثقلًا. انحنت قليلًا حتى تصبح في مستوى الصبي، وقالت بنبرة أكثر دفئًا:
«أكلت حاجة
النهارده؟»
لم يجب فورًا. ثم قال:
«شوية خبز.»
شعر ماركوس بشيءٍ يضغط على صدره. لم يكن جائعًا فقط؛ كان متروكًا. وهذه الفكرة وحدها كانت كافية لتشعل داخله غضبًا قديمًا، غضبًا لم يعرف يومًا أين يوجّهه.
قال ماركوس بحسمٍ مفاجئ:
«تعال معنا.»
رفع الصبي رأسه بسرعة.
«فين؟»
تردّدت فيكتوريا لثانية، ثم قالت:
«مكان آمن. بس نشرب حاجة الأول.»
نهض دانيال ببطء، وكأنه لا يصدق أن العرض حقيقي. كان قصيرًا بالنسبة لعمره الظاهر، وعظام قدميه بارزة على نحوٍ مؤلم. حين خطا خطوةً إلى جوار ماركوس، شعر الأخير بقشعريرة غريبة… المسافة بينهما كانت مألوفة أكثر مما ينبغي.
في المقهى القريب، جلس الصبي على حافة الكرسي، يراقب كل حركة. وضع ماركوس أمامه كوب عصير، فحدّق فيه كأنه كنز.
«اشرب.»
قالها ماركوس بلطفٍ لم يستخدمه منذ سنوات.
بعد أول رشفة، ارتخت كتفا الصبي قليلًا.
«تعرف مستشفى قريبة من هنا؟» سألت فيكتوريا فجأة.
نظر إليها ماركوس.
«ليه؟»
«لازم نطمن
عليه. وبعدين…» سكتت، ثم أضافت: «لازم نعرف هو مين فعلًا.»

تم نسخ الرابط