إنه يشبه ابنك المفقود

لمحة نيوز


تجمّد ماركوس.
كان يعرف ما تعنيه.
وكان يخشاه.
رفع نظره إلى دانيال، الذي كان يلعق شفتيه بتوتر.
«دانيال… فاكر أي حاجة من طفولتك؟ بيت؟ حد؟»
أغمض الصبي عينيه، كأنه يحاول الحفر داخل رأسه.
«في… صوت ست. كانت بتزعق كتير.»
فتح عينيه فجأة.
«وفي أوضة ضلمة.»
تبادل ماركوس وفيكتوريا نظرةً صامتة.
قال ماركوس بصوتٍ منخفض:
«كفاية دلوقتي.»
لكن داخله كان يعصف بأسئلة لا ترحم.
لو لم يكن هذا ابنه… فلماذا بدا كل شيء مألوفًا إلى هذا الحد؟
في جناح الفندق الهادئ، جلس دانيال على الأريكة، يعبث بطرف الوسادة. كانت تلك أول مرة منذ زمن يدخل مكانًا لا يُطلب منه فيه شيء.
قالت فيكتوريا، وهي تقدّم له منشفة دافئة:
«تقدر تستحم، لو حابب.»
تردّد، ثم هزّ رأسه موافقًا.
حين اختفى خلف باب الحمام، التفتت إلى ماركوس.
«إحنا بندخل نفسنا في حاجة كبيرة.»
«عارف.»
«ولو طلع مش هو؟»
صمت ماركوس طويلًا، ثم قال:
«ولو طلع هو؟»
لم تجد جوابًا.
في المستشفى، كان الطبيب يقلب

الملفات بوجهٍ جامد.
«هنعمل تحاليل بسيطة. فصيلة دم، وبعدين… لو حاببين، اختبار حمض نووي.»
شعر ماركوس بأن الأرض تميد تحته.
«وقد إيه وقت؟»
«أيام.»
أيام بدت له دهرًا.
في غرفة الانتظار، جلس دانيال إلى جواره، أقرب مما ينبغي. فجأة قال الصبي:
«إنت كنت بتيجيلي في الحلم.»
التفت ماركوس ببطء.
«إزاي؟»
«كنت واقف بعيد… ومش راضي تقرّب.»
ارتجفت يد ماركوس.
«ليه؟»
سألها دانيال ببراءةٍ موجعة.
لم يستطع أن يجيب.
حين خرج الطبيب ليخبرهم أن النتائج ستتأخر، شعر ماركوس براحةٍ مشوبة بالذعر.
كان يريد الحقيقة… ويخافها في الوقت نفسه.
في تلك الليلة، حين نام دانيال في الغرفة المجاورة، وقف ماركوس عند الباب طويلًا.
كان يسمع أنفاسه الهادئة، المنتظمة.
أنفاس طفلٍ يشبه ابنه… أو ربما يكونه.
مدّ يده ليفتح الباب أكثر، ثم تراجع.
بعض الأبواب، إن فُتحت، لا تُغلق أبدًا.
ظهرت نتيجة التحليل في صباحٍ هادئ على نحوٍ مخيف.
جلس ماركوس أمام الطبيب، وعيناه معلّقتان
بيده التي تمسك الملف. لم يسأل هذه المرة. لم يكن مستعدًا لسماع أي شيء.
قال الطبيب أخيرًا:
«التحليل أكّد التطابق الكامل.»
لم يتحرّك ماركوس.
«يعني…؟»
«يعني دانيال ابنك.»
لم يبتسم. لم يبكِ.
كل ما شعر به كان ثِقلًا يهبط على صدره ببطء، كأنه كان ينتظر هذه الجملة منذ اثنتي عشرة سنة، لكنه لم يجهّز نفسه لها أبدًا.
«بس في حاجة تانية.»
قالها الطبيب وهو يزيح ملفًا أصغر إلى الأمام.
فتح ماركوس الصفحات، فوجد توقيعًا يعرفه جيدًا.
توقيع أخيه الأكبر.
ارتفعت عيناه ببطء.
«أليكس؟»
دخل أليكس الغرفة بهدوء. لم يكن متوترًا، فقط مُنهكًا، كأن السنين مرّت عليه دفعة واحدة.
قال بصوتٍ خافت:
«كنت عارف إن اليوم ده هييجي.»
قفز ماركوس واقفًا.
«إنت عملت إيه؟!»
لم يصرخ أليكس.
«حميته.»
ساد الصمت.
«بعد موت مراتك، إنت كنت مكسور. كنت بتشتغل 18 ساعة في اليوم، ومش بتشوف غير الأرقام. ابنك كان بيتساب مع مربية بتتغير كل شهر.»
تقدّم خطوة.
«كنت بشوف الخوف في
عينيه.»
زمجر ماركوس:
«ده ما يديكش الحق!»
هزّ أليكس رأسه.
«عارف. بس اسمعني.»
تنهد بعمق.
«في اليوم اللي اختفى فيه، هو ما اتخطفش. هو كان واقف جنبك… وانت سيبته دقيقة زيادة.»
كأن سكينًا غُرزت في صدر ماركوس.
«أنا أخدته من غير ما حد يشوف. قلت هخليه معايا يومين… أسبوع.»
ابتسم بمرارة.
«وبعدين الأيام جريت.»
«ليه ما رجعتوش؟!»
كان صوت ماركوس مبحوحًا.
«لأنك كنت بتنهار أكتر. وكل ما كنت أشوفك في الجرائد، كنت أقول: لسه مش دلوقتي.»
خفض رأسه.
«ولما حاولت أرجّعه… كان فات الأوان.»

تنفّس بصعوبة، ثم قال بصوتٍ مكسور:
«سامحني يا ماركوس… ما كنتش أعرف إن قراري هيكلفنا العمر كله.»

في تلك اللحظة، أدرك ماركوس أن بعض الأخطاء لا تُصلَح، بل يُعاش ما تبقّى من العمر في محاولة التخفيف من ثقلها. لم يعد الماضي قابلًا للاسترجاع، لكن الحاضر—على هشاشته—كان ما يزال ممكنًا.

مدّ يده نحو دانيال، لا ليعوّض ما فات، بل ليبدأ من حيث انتهى الضياع، وقد فهم

أخيرًا أن الأبوة لا تأتي في الوقت المثالي… بل في اللحظة التي نقرّر فيها ألّا نترك اليد مرةً أخرى.

تمت

تم نسخ الرابط