تجاهل رجلٌ ثريٌّ متسوّلةً أمام الفندق
لأن لمسه كان يشبه الوقوف على زجاج مكسور.
الحادث.
الجسر الجليدي.
المعدن الملتوي.
والسطر الذي قال يفترض الوفاة لا مؤكدة.
لم يكن قد أفسح مكانا لهذا الفرق من قبل.
برز سطر صغير قاس
نمط الحروق متوافق مع تحطم زجاج جهة الراكب.
جهة الراكب.
الندبة.
كانت المرأة في الشارع تحمل ندبة في المكان ذاته.
أغلق براين الحاسوب ببطء كأن للحركة وزنا.
ماذا لو كانت دونا قد عاشت
ماذا لو زحفت خارج ذلك الحطام إلى عالم لا يعرف أين يضعها
ماذا لو مر بها هو كما يمر على مشكلة في الرصيف
جلس في الظلام ويداه تضغطان على صدغيه وأدرك حقيقة قبيحة.
كان أسهل عليه لسنوات أن يعتقد أن دونا ماتت.
لأنه إن كانت حية فهذا يعني أنه تخلى عنها مرتين.
وليو أيضا لم يستطع النوم.
كان مستلقيا على سريره دمية الأسد تحت ذقنه يحدق في السقف حيث يرسم ضوء الممر ظلالا ناعمة. كان وجه أمه ضبابيا في ذاكرته كأن أحدهم لطخ صورة بإبهامه. لكن صوتها كان واضحا شريطا يربط ذكرياته.
تسلل من سريره وأحضر ألوانه وبدأ يرسم.
امرأة بشعر أصفر.
ولد صغير.
ودمية دب في عربة.
حين دخلت ليزا لاحقا وجدته جالسا على الأرض ولسانه يبرز قليلا من شدة التركيز.
ماذا ترسم سألت بلطف.
رفع ليو الرسم.
وصلت ابتسامة ليزا أولا تلقائية.
أهذه أنا
هز ليو رأسه.
هذه
أمي الأولى أضاف بلا قسوة فقط بدقة.
رمشت ليزا وشعرت الغرفة فجأة بأنها أكثر صمتا مما ينبغي.
هي لم تمت قال ليو كأنه يشرح الطقس. هي فقط ضائعة.
لم تجادله ليزا. لم تصححه. نظرت إلى الرسم لحظة أطول ثم مسحت شعره مرة واحدة.
هذا جميل همست وغادرت الغرفة وأفكارها تعيد ترتيب نفسها.
في المساء التالي قاد براين سيارته وحده إلى الشارع الذي شق يقينه.
أوقف السيارة حيث الإضاءة سيئة ورائحة الخرسانة رطبة. جلس خلف المقود لحظة طويلة ويداه تشدان عجلة القيادة بقوة.
وعبر الشارع كانت هناك.
العربة نفسها.
المعطف نفسه.
الدبدوب نفسه ملفوفا كطفل.
ترجل براين يسير أبطأ مما يفعل في قاعات الاجتماعات. لم تكن هذه مفاوضة. كانت شيئا أشد رعبا.
اقترب بلا هيبة بلا سلطة. مجرد رجل يسير نحو الماضي.
رفعت المرأة رأسها حين اقترب. أظهر الضوء ندبتها بوضوح. كانت عيناها متعبتين بعيدتين لكن
حيتين.
توقف على بعد خطوات.
انفصلت شفتاه.
دونا همس.
تجعد جبينها. نظرت إليه كأنه تكلم بلغة تكاد تفهمها لكنها لا تترجمها.
خفضت نظرها سريعا وشدت ذراعيها حول الدبدوب.
تعثر قلب براين. لم تزهر فيها شرارة التعرف. ليس بعد.
لكن ارتجافها ضربه في أضلعه.
عاد إلى البيت تلك الليلة وعاد في الليلة التالية
هذه المرة لم يكن يرتدي بدلة. لا حذاء مصقولا. لا عطرا. فقط معطف صوف رمادي وألما لم يستطع
إخفاءه.
انحنى قربها ووضع الشاي على الأرض بينهما لا قريبا جدا.
كنت أعرف شخصا قال برفق كان يغني هذه الأغنية.
تصلبت كتفاها. مالت رأسها تصغي.
هل لديك ابن سأل بحذر من يمشي على الجليد.
صمت طويل.
ثم بالكاد أومأت.
نعم همست.
انحبس نفس براين.
ما اسمه سأل وجزء منه كان يتمنى أي اسم آخر.
نظرت إلى الدبدوب وتكلمت كأنها تقرأ من صفحة داخل صدرها
ليو.
رن الاسم في براين كجرس في ضباب.
ضغط يده على صدره.
فقدته قالت فجأة. لكنني أسمعه في نومي. يبكي ثم يصمت. كل ليلة.
ارتجفت. لا صراخ لا دراما. ارتجاف من احتجز الطوفان سنوات.
لم يلمسها براين. لم يمد يده. فقط بقي.
إنه ليس شبحا همس. إنه حقيقي. وهو يفتقدك.
توقفت أصابعها على قماش الدبدوب. لم تبك.
تراجع براين ببطء.
سأعود غدا قال. إن كان ذلك مناسبا.
لم تجب.
لكن حين استدار رأى كوب الشاي وقد اقترب قليلا من ركبتها.
لم يكن ثقة.
لكنه لم يكن عدما.
خلال الأسبوع التالي فعل براين شيئا لم يفعله منذ سنوات.
توقف عن تفويض المسؤولية.
وجد شقة صغيرة دافئة في زاوية هادئة من المدينة. ليست فخمة ولا لافتة فقط آمنة. رتب ممرضة تفهم الصدمات أكثر من البروتوكول
حين انتقلت دونا لم تنظر إلى الدفء كمن نجا من البرد.
نظرت إليه بريبة كأنه قد يختفي إن تنفست خطأ.
لم يغرقها براين بالشرح. لم يطلب منها أن تتذكر.
ترك الاستقرار يفعل ما لا يفعله الضغط.
ثم أحضر ليو.
دخل ليو الشقة ببطء يحمل حقيبة ودمية دب خاصته. راح يبحث بعينيه عن شكل البيت.
كانت دونا جالسة قرب النافذة. التقت عيونهما.
لم تتغير ملامحها. لم تتعرف عليه.
لم يفزع ليو.
اقترب ووضع دميته بجوار دميتها على السرير.
دميتان متشابهتان كأنهما توأمان افترقا ثم التقيا بإصرار طفل.
حدقت دونا فيهما. رفعت يديها المرتجفتين لمستهما واحدة في كل كف. مرت أصابعها على الخياطات البالية.
ومض شيء في وجهها ذاكرة عضلية للحب.
لماذا همست أشعر أنني أعرفك
لم يجب ليو بالكلام.
تجمدت دونا ثم ارتفعت ذراعاها ببطء
اهتز جسدها ببكاء صامت أعمق من اللغة.
وقف براين عند الباب وترك مشاعره تكون.
لم يكن اللقاء مثاليا.
كان حقيقيا.
والحقيقي كان أفضل.
في ليلتها الأولى نامت دونا تحت لحاف يدوي. الدميتان بجوارها.
وفي غرفة الجلوس جلس براين يستمع إلى دندنة المدفأة.
صدر من الغرفة صوت خافت اسم واحد كصلاة
ليو.
ثم جاءت الذكريات.
هذه المرة بكت كأم تتذكر.
وعندما عادت نتائج الحمض النووي لم
بل ماذا سنفعل بالحقيقة
وهكذا لم يكن الختام كمالا.
بل حضورا.
عائلة مرقعة قليلا اختارت أن تبقى.