سخر من سيدة مسنّة في البنك… وبعد ثوانٍ ندم على كل كلمة قالها
المحتويات
وجهها أي قلق. بدت وكأنها تعرف مسبقا ما سيحدث أو كأن الأمر لا يعنيها إلا بقدر ما يعنيها أي إجراء روتيني.
في الخلف كان ريتشارد قد لاحظ تغير الجو. توقف عن الابتسام ومال قليلا إلى الأمام. فضوله الممزوج بالريبة بدأ يتسلل إلى ذهنه. لم يعد الأمر مسليا كما كان قبل دقائق.
أعادت سارة النظر إلى الشاشة مرة ثالثة ثم ضغطت زر الطباعة لكن الورقة لم تخرج فورا. توقف الجهاز لثوان بدت لها دهورا. شعرت بأن أنظار بعض الواقفين بدأت تتركز عليها.
خرجت الورقة أخيرا.
تناولتها سارة قرأت السطر الأول ثم الثاني ثم توقفت. كان عليها أن ترفع رأسها أن تنطق الرقم لكنها شعرت للحظة أن صوتها قد يخونها.
قالت أخيرا بوضوح هذه المرة وإن ظل صوتها منخفضا
السيدة إيفلين طومسون رصيدك المتاح يبلغ ثمانية وأربعين مليونا وسبعمائة واثنين وستين ألفا وثلاثمائة وتسعة عشر دولارا واثنين وأربعين سنتا.
لم يحدث شيء في اللحظة الأولى.
كأن الكلمات لم تجد طريقها إلى آذان الحاضرين فورا. ثم ببطء بدأ الصمت ينتشر صمت كثيف ثقيل غطى على كل الأصوات الأخرى. توقف رنين الأجهزة وخفتت الهمسات وكأن المكان كله حبس أنفاسه.
فتح ريتشارد فمه لكنه لم يخرج صوتا.
تقدم خطوة مقتربا من الشباك وحدق في وجه سارة.
قال بحدة وهو يهز رأسه
هذا
نظرت سارة إليه ثم أعادت بصرها إلى الشاشة وضغطت بضعة أزرار. النتيجة لم تتغير.
قالت بثبات أكبر
لا يوجد أي خطأ يا سيدي. هذا الرصيد بعد إضافة فائدة اليوم.
ثم وبحركة تلقائية أمالت الشاشة قليلا نحو إيفلين احتراما وإجراء.
اقتربت إيفلين خطوة نظرت إلى الأرقام نظرة سريعة ثم أومأت.
قالت بهدوء
نعم هذا يبدو صحيحا.
التفتت إلى سارة وأضافت بابتسامة خفيفة
شكرا لك يا ابنتي.
كان ريتشارد لا يزال واقفا مائل الجسد عيناه معلقتان بالشاشة كأن الأرقام قد سلبته القدرة على التفكير. شعر بسخونة تصعد إلى وجهه وبشيء يشبه الانقباض في صدره.
تمتم أقرب إلى نفسه
كيف كيف يمكن لامرأة
لم يكمل الجملة.
رفعت إيفلين رأسها نحوه والتفتت بجسدها النحيل ببطء حتى أصبحت مواجهته كاملة. لم يكن في نظرتها أي شماتة ولا رغبة في الإذلال كان فيها شيء آخر شيء يشبه الحكمة القديمة.
قالت بصوت واضح يسمعه من حولها
أترغب في أن تعرف كيف يا بني
تردد ريتشارد لحظة ثم أومأ دون وعي.
تنفست إيفلين بعمق وكأنها تستدعي سنوات بعيدة.
قالت
في خمسينيات القرن الماضي كنت أنا وزوجي نعمل في الزراعة بنظام المشاركة. كنا ننهض قبل الفجر نعمل حتى تغيب الشمس ونعود بأجساد
ساد صمت جديد لكن هذه المرة كان مختلفا صمت استماع.
تابعت
كنا نوفر كل قرش. لم نكن نشتري إلا الضروري. في عام 1962 اشترينا قطعة أرض صغيرة خارج تولسا. قال الناس إنها بلا قيمة وإننا أضعنا ما ادخرناه لكن زوجي كان يقول دائما إن الأرض لا تخون من يصبر عليها.
تحركت شفاه بعض الواقفين دون صوت كانت القصة تشدهم دون أن يشعروا.
قالت إيفلين
مرت السنوات. لم يتغير شيء في البداية. ثم في السبعينيات جاء منقبو النفط. قالوا إن تحت تلك الأرض احتياطيا ضخما لم يلتفت إليه أحد. فجأة صار ما كان يسخر منه مصدر رزق لم نتخيله.
توقفت لحظة ثم أضافت
لم ننتقل إلى قصر ولم نغير نمط حياتنا. تركنا المال حيث هو ينمو بصمت. ربيت أولادي أرسلتهم إلى الجامعات وساعدنا مجتمعنا بقدر ما استطعنا.
نظرت إلى يديها ثم رفعت بصرها من جديد.
قالت بهدوء
المال يا بني لا يغير الإنسان هو فقط يكشفه.
لم يجد ريتشارد ما يقول. شعر بأن الكلمات التي نطق بها قبل قليل ترتد إليه الآن ثقيلة محرجة. لم يعد يشعر برغبة في النظر إلى ساعته ولا في التفاخر بشيء.
أخذت إيفلين إيصالها من سارة وربتت على يدها برفق ثم أدارت جسدها ببطء متجهة نحو الباب.
وعندما مرت بجانب ريتشارد
قالت بصوت منخفض لكنه مسموع
لا تحكم على كتاب من غلافه يا بني. بعض أغنى الناس هم الذين لا يحتاجون إلى إثبات ذلك.
ثم واصلت سيرها وصوت عصاها يطرق أرضية الرخام بإيقاع ثابت.
ظل البهو صامتا لثوان طويلة بعد خروجها كأن المكان كله يحتاج وقتا ليستوعب ما حدث.
لم يتباه ريتشارد في ذلك البنك بعد ذلك اليوم.
وانتشر الخبر لا بضجيج بل بهدوء يشبه هدوء صاحبة القصة نفسها. صارت إيفلين طومسون واحدة من أكبر المتبرعين سرا تمول منحا دراسية وتدعم رعاية كبار السن وتعيد الحياة لمؤسسات خدمية كادت تنسى.
ومع ذلك لم يتغير شيء في مظهرها. كانت لا تزال تقود سيارتها القديمة وترتدي فساتينها الزهرية وتأتي كل يوم جمعة فقط لتتحقق من رصيدها لأن الثروة الحقيقية لا تقاس بما يظهر للناس بل بما يبقى في القلب.
خرجت إيفلين من البنك كما دخلته ببطء ووقار لا تلتفت خلفها ولا تنتظر نظرات الإعجاب التي بدأت تتشكل في العيون بعد أن زال الذهول. كان الهواء خارج المبنى أبرد قليلا ونسمة خفيفة مرت على وجهها المجعد فحركت خصلة فضية أفلتت من دبوسها. توقفت لحظة عند أسفل الدرج الرخامي ثبتت قبضتها على العصا ثم واصلت السير نحو سيارتها القديمة المركونة في الصف الأخير.
في الداخل ظل البهو ساكنا على
متابعة القراءة