إرث الصبر السرّ المدفون في الجذور كاملة بقلـم منـي السـيد

لمحة نيوز

تركها والدها مع أشجار يابسة وبعد سنوات توسل إليها إخوتها أن تعلمهم.
ورثت شابة أشجارا جافة فقط بينما حصل إخوتها على أفضل الأراضي.
قال لها والدها بازدراء
بهذه الأخشاب الميتة ستتعلمين قيمة الجهد.
لم يكن أحد يتخيل أن تلك الأشجار التي بدت عديمة الفائدة تخفي سرا سيغير مصيرها إلى الأبد....
بينما كان شقيقاها الكبيران قد درسا في المدينة ولم يكونا يعودان إلى القرية إلا في المناسبات بقيت هي في البيت ظلا وفيا تطهو وتنظف وتلبي احتياجات والدها حصري على صفحة روايات و اقتباسات الرجل الذي قست عليه الحياة وقسا هو بدوره على من حوله.
في صباح من صباحات أبريل كان مكتب الموثق تفوح منه رائحة الأوراق القديمة والخشب المصقول.....
كان الأب قد توفي قبل ثلاثة أسابيع بعد مرض طويل واليوم ستتلى وصيته.
جلست الفتاة في زاوية الغرفة ويداها متشابكتان فوق فستانها البسيط بينما جلس شقيقاها في المقاعد الأمامية المقابلة للمكتب.
قال الموثق
سأشرع في تلاوة الوصايا الأخيرة.
استمعت الفتاة وقلبها منقبض.
لم تكن تنتظر ثروة لكنها كانت تأمل أن تنال ما يساعدها على بدء حياة جديدة بعد سنوات طويلة من التضحية.
أوصي لابني الأكبر بالمنزل العائلي وأراضي الري القريبة من النهر.....
ابتسم الابن الأكبر برضا فقد كانت أفضل أراضي المنطقة.
وأوصي لابني الثاني بأرض الزيتون ومنزل الجدة في القرية إضافة إلى المعدات الزراعية.
أومأ الابن

الثاني بسرور فالأرض كانت تدر ربحا وفيرا.
حبست الفتاة أنفاسها.
الآن سيأتي دورها.
وأوصي لابنتي بقطعة الأرض المرتفعة مع بستانها من أشجار الفاكهة.
خيم الصمت.
كانت تلك الأرض صخرية بعيدة عن الماء مشروعا مهجورا منذ سنوات لا يزوره أحد.
انطلقت ضحكة ساخرة من أحد الشقيقين.
قالت الفتاة بصوت خافت
هل هذا كل ما تركه لي
أجاب الموثق
هناك رسالة شخصية تركها لك.
تناولت الظرف بأصابع مرتجفة وفتحته.
كان خط يد والدها قاسيا ككلماته
أترك لك الأشجار اليابسة في الأرض المرتفعة.
بهذه الأخشاب الميتة ستتعلمين قيمة الجهد حصري على صفحة روايات و اقتباسات بعدما قضيت حياتك مختبئة في البيت.
لعلك هكذا تفهمين معنى العمل الحقيقي.
احترقت عيناها بالدموع لكنها لم تسمح لها بالسقوط.
طوت الرسالة ووضعتها في حقيبتها...
قال أحد الشقيقين ساخرا وهما يخرجان إلى الشارع المشمس
ورثة تليق بك.
وأضاف الآخر
هذا هو العدل. نحن أخذنا ما تعبنا فيه وأنت كنت في البيت فقط.
قالت بمرارة
وكأن الطهو والتنظيف ورعاية والدنا في مرضه لم تكن عملا.
رد باحتقار
أي شخص كان يمكنه فعل ذلك.
لم تجب.
سارت في شوارع القرية وظهرها مستقيم وعيناها ثابتتان.
لن تبكي ولن تمنحهم انتصارا....
وعندما وصلت إلى البيت أعدت حقيبة صغيرة فيها ماء وقليل من الطعام.
كانت بحاجة إلى رؤية إرثها بعينيها
لتفهم بنفسها حجم السخرية الأخيرة التي تركها لها والدها....يتبع 
كانت
الأرض قاحلة والأشجار واقفة كالهياكل العظمية.
جلست تحت أحدها وبكت بكت على الظلم وعلى العمر الذي ضاع وعلى الأحلام المؤجلة.
لكن عند الغروب لمست جذع شجرة وخدشت قشرتها
فظهر لون أخضر حي.
لم تكن الأشجار ميتة.
كانت نائمة.
ظهر رجل مسن من الجوار وأخبرها أن الأشجار ما زالت حية لكنها تحتاج ماء وصبرا وعناية.
علمها أساسيات الزراعة وأخبرها أن الأرض تخفي بئرا قديما.
وبالفعل وجدت الماء.
منذ ذلك اليوم تغيرت حياتها.
عملت صباحا في الأرض ومساء لتكسب رزقها ولياليها كانت للدراسة والتعلم.
سخر منها البعض وراقبها آخرون وساعدها القليل.
بدأت الأشجار تستعيد حياتها وظهرت أول ثمرة بعد سنوات طويلة.
ومع اشتداد الجفاف بدأت أراضي إخوتها تموت بينما أرضها تزدهر.
حاولوا السيطرة على مشروعها ثم حاولوا تخريبه متوفر على صفحة روايات واقتباسات ثم جاؤوا متوسلين.
وفي لحظة حاسمة اختارت أن تشارك الماء لا بدافع الضعف بل من موقع القوة.
أصبح البستان رمزا للأمل في القرية.
زارته الجامعة والصحافة والمستثمرون.
ثم اكتشفت الحقيقة الكبرى
والدها الذي احتقرها كان يوما رائدا في تطعيم الأشجار وحلم بحفظ الأصناف النادرة ثم تخلى عن حلمه.
فهمت حينها أن إرثه لم يكن عقابا
بل حلما منسيا سلمه لها دون أن يدري.
وقفت تحت أول شجرة أثمرت وقالت في نفسها
الأشجار اليابسة لا تموت
بل تنتظر من يؤمن بها.
بدأت حديثها قائلة
لقد جمعتكم اليوم لأن ما
سأعلنه يمسكم جميعا بطريقة أو بأخرى.
نظرت إلى إخوتها الذين تبادلوا نظرات قلقة وتابعت
خلال هذه الأشهر تعلمت أن البستان ليس مجرد أرض وأشجار بل هو تاريخ ومعرفة ومستقبل. وقد اكتشفت أمرا غير نظرتي للأشياء بالكامل.
فتحت الملف وأخرجت الصورة القديمة التي كانت لوسيا قد عثرت عليها.
هذا الشاب المبتسم هو والدي إغناسيو ميندوثا في الثانية والعشرين من عمره رائد في تقنيات تطعيم الأشجار متوفر على صفحة روايات واقتباسات حائز على جوائز إقليمية وكان يحلم بالحفاظ على أصناف الفاكهة القديمة في منطقتنا.
مررت الصورة ليتمكن الجميع من رؤيتها.
كانت الدهشة واضحة على وجهي راؤول وخافيير.
قالت
لا نعرف لماذا تخلى والدي عن هذا الحلم لكنه تحول مع الوقت إلى الرجل القاسي الذي نعرفه جميعا. ومع ذلك بقي في داخله شيء من ذلك الشاب المثالي كاف ليزرع هذه الأشجار وإن كان قد أهملها لاحقا.
أخذت نفسا عميقا ثم واصلت
لقد قررت رفض عرض الدمج الذي قدمه البنك وكذلك العرض التجاري لشركات الصناعات الزراعية.
تحرك المصرفي في مقعده بعدم ارتياح بينما تبادل إخوتها نظرات مضطربة.
وأضافت
بدلا من ذلك وضعت خطتي الخاصة مستوحاة من وثائق وجدتها الليلة الماضية في مكتب والدي القديم.
وأخرجت حزمة من الأوراق الصفراء رسومات وملاحظات ومشروعا غير مكتمل بعنوان
مركز حفظ الأصناف الزراعية القديمة وادي الدويرو.
كان هذا هو حلم والدي الحقيقي مركزا يعنى
بالحفاظ على التراث الزراعي لمنطقتنا ودراسته ونقله للأجيال القادمة. ليس مشروعا للثراء بل
تم نسخ الرابط