سخر من سيدة مسنّة في البنك وبعد ثوانٍ ندم على كل كلمة قالها
كان عصر يوم جمعة من تلك الأيام التي يختلط فيها الإرهاق بالطموح في قلب المدينة حيث تختلط بقايا الأسبوع المنهك ببذور أمل مؤجل.
وسط مدينة أتلانتا حيث تتعانق ناطحات الزجاج الحديثة مع شوارع تحتفظ بملامح زمن أقدم وقف مبنى بنك فيرست ناشيونال بواجهته الرخامية اللامعة كأنه شاهد أبكم على تاريخ طويل من الصعود والسقوط من ثروات ولدت في صمت وأخرى ذابت وسط ضجيج أصحابها.
في الداخل كان البهو يعج بحركة لا تهدأ.
خطوات متسارعة فوق أرضية مصقولة تعكس الوجوه كما لو كانت مرايا باردة همسات متداخلة عن قروض واستثمارات رنين أجهزة الانتظار وأصوات موظفين اعتادوا أن تكون الأرقام لغتهم الوحيدة.
رجال ببدلات داكنة تفوح منها عطور فاخرة نساء أنيقات يحملن ملفات جلدية وشباب يحدقون في شاشات هواتفهم بقلق لا ينقطع.
في هذا المكان لم يكن الوقت مجرد دقائق تمر بل مقياسا للقيمة وكان الاحترام يمنح غالبا بقدر ما يظهر على المرء من مظهر وقوة.
عند الباب الزجاجي الثقيل تردد الحارس لحظة قبل أن يفتحه بالكامل حين لمح امرأة مسنة تتقدم بخطوات بطيئة متأنية كأنها لا تريد أن تقتحم المكان بل تستأذنه بهدوء.
كانت تلك السيدة هي إيفلين طومسون وقد بلغت التسعين من عمرها.
لم يكن في مظهرها ما يلفت انتباه من اعتاد رؤية الثراء متجسدا في الأقمشة البراقة والساعات اللامعة.
ارتدت فستانا زهريا بسيطا باهت اللون من كثرة السنين لكنه نظيف ومكوي بعناية واضحة. حذاؤها
أما حقيبتها فكانت قديمة جلدها متشقق عند الزوايا تمسك بها بكلتا يديها كما لو كانت قطعة من ذاكرتها لا مجرد غرض.
كان شعرها الفضي مثبتا بدبابيس صغيرة بعناية ووجهها رغم التجاعيد العميقة يحمل سكينة لا تشترى.
تحركت ببطء لا من ضعف فقط بل من احترام لكل خطوة تخطوها.
لم يلتفت إليها كثيرون.
بعض العيون مرت عليها مرورا عابرا وأخرى تجاهلتها تماما كأن وجودها لا ينسجم مع الصورة اللامعة للمكان.
وقفت إيفلين عند نهاية الطابور الطويل وأسندت وزنها برفق على العصا. لم تتنهد لم تنظر إلى الساعة ولم يظهر على وجهها أي ضيق. كانت تنتظر كما اعتادت طوال حياتها.
خلفها مباشرة وقف رجل بدا نقيضها الكامل.
ريتشارد هارينغتون.
في منتصف الخمسينيات من عمره طويل القامة عريض الكتفين يرتدي بدلة رمادية داكنة مفصلة بعناية. ساعة فاخرة تلمع في معصمه الأيسر وربطة عنقه الحريرية موضوعة بدقة مدروسة.
كان معروفا في أتلانتا لا بثروته فقط بل بصوته العالي وثقته المفرطة بنفسه وحرصه الدائم على أن يكون مرئيا في كل مكان.
نظر إلى الطابور ثم إلى ساعته وأطلق زفيرا حادا.
تمتم بكلمات غير مسموعة لكن نبرته كانت كافية لتكشف ضيقه. بالنسبة له كان الوقت مالا وأي تأخير إهانة لا تحتمل.
لمح المرأة المسنة أمامه وانقبض فمه في حركة لا إرادية.
بطء خطواتها ثباتها الهادئ عدم استعجالها كل ذلك بدا
مرت الدقائق ثقيلة.
تحرك الطابور خطوة ثم أخرى.
كانت إيفلين تتحرك معه بهدوء كأن الزمن لا يعني لها ما يعنيه لمن خلفها.
وأخيرا وصلت إلى الشباك.
خلف الزجاج وقفت موظفة شابة تدعى سارة لا تزال ملامح التخرج حديثة على وجهها. حاولت الحفاظ على ابتسامة مهنية رغم ضغط العمل وكثرة الزبائن.
ابتسمت إيفلين لها ابتسامة دافئة تلك التي لا تطلب شيئا سوى اللطف.
أخرجت من حقيبتها بطاقة بنكية قديمة حوافها مثنية وسلمتها لسارة بيد مرتجفة قليلا.
قالت بصوت منخفض لكنه واضح يحمل نغمة الجنوب الأمريكي الهادئة
يا ابنتي أريد فقط أن أتحقق من رصيدي.
هزت سارة رأسها بأدب وأخذت البطاقة.
في تلك اللحظة التقط ريتشارد الكلمات.
رفع حاجبه ثم انفلتت من فمه ابتسامة ساخرة. اقترب قليلا وضحك ضحكة قصيرة كمن سمع نكتة غير متوقعة.
في ذهنه كانت الصورة مكتملة امرأة مسنة ملابس بسيطة تسأل عن رصيدها.
لا بد أنه مبلغ زهيد فكر. معاش تقاعد بضع مئات لا أكثر.
تأخر إدخال البيانات لحظات.
ضحك ريتشارد بصوت أعلى فالتفت بعض الواقفين.
وقال بنبرة متعالية وهو يشير بيده
سيدتي إن كنت تريدين فقط معرفة الرصيد فهناك جهاز صراف آلي في الخارج. هذا الطابور للمعاملات المهمة.
ساد صمت خفيف.
استدارت إيفلين ببطء كأن كل حركة تحتاج إذنا من عمرها الطويل.
نظرت إليه نظرة هادئة لا غضب فيها ولا خوف.
قالت بصوت ثابت
أيها الشاب التزم الأدب. لقد كنت أتعامل مع هذا البنك
لم يرد فورا ثم ضحك باستخفاف كأنه سمع ادعاء مضحكا.
في تلك اللحظة كانت سارة قد أدخلت البيانات.
توقفت أصابعها فوق لوحة المفاتيح.
اتسعت عيناها فجأة.
رمشت مرة ثم أعادت تحديث الشاشة.
أعادت إدخال رقم الحساب يدويا. اقتربت من الشاشة وكأنها تشك فيما تراه.
بدأ لون وجهها يتغير.
رفعت رأسها ببطء ونظرت إلى إيفلين ثم خفضت بصرها مجددا إلى الشاشة.
الأرقام ما زالت ثابتة واضحة لا لبس فيها.
شعرت بدقات قلبها تتسارع.
في سنوات تدريبها القليلة لم تر رقما كهذا إلا في الحسابات الاستثمارية الكبرى.
ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت بصوت حاولت أن تجعله مهنيا
السيدة طومسون هل تسمحين لي بلحظة من فضلك
أومأت إيفلين بهدوء. لم يتغير شيء في ملامحها كأن الأمر لا يعنيها أكثر من إجراء روتيني.
في الخلف لاحظ ريتشارد تغير الجو.
توقف عن الابتسام ومال قليلا إلى الأمام.
لم يعد الأمر مسليا كما كان.
أعادت سارة النظر إلى الشاشة للمرة الثالثة ثم ضغطت زر الطباعة.
تأخر الجهاز ثوان بدت دهورا.
خرجت الورقة أخيرا.
نظرت إليها ثم توقفت.
رفعت رأسها وقالت بصوت واضح رغم انخفاضه
السيدة إيفلين طومسون رصيدك المتاح يبلغ ثمانية وأربعين مليونا وسبعمائة واثنين وستين ألفا وثلاثمائة وتسعة عشر دولارا واثنين وأربعين سنتا.
لم يحدث شيء للحظة.
ثم انتشر الصمت كثيفا ثقيلا.
فتح ريتشارد فمه لكن لم يخرج صوت.
تقدم خطوة وحدق في سارة وقال بحدة
هذا مستحيل
نظرت سارة إلى الشاشة مرة أخرى ثم قالت بثبات
لا يوجد أي خطأ يا