كنت في الثامنة من عمري فقط حين رأيت شيئًا لا ينبغي لأي طفل أن يراه

لمحة نيوز

لم تكن تلك الكلمات واضحة المعنى في ذهني وأنا في الثامنة، لكنها ترسّخت في قلبي كما يترسّخ الجرح الذي لا يندمل، لا لأنه مؤلم، بل لأنه يذكّرك بأنك نجوت. في الأيام التي تلت تلك الليلة، تغيّر كل شيء دون أن يتغيّر شيء. ظلّ بيتنا صغيرًا، وظلّ الفقر جالسًا معنا على المائدة، لكن الخوف الذي كان يملأ صدري تراجع خطوة إلى الوراء، كأنه أدرك أنه لم يعد صاحب المكان.

صارت أمي أكثر صمتًا، لكنها لم تعد منكسرة. كانت تنهض كل صباح، تسرّح شعري بعناية، وتشدّ على يدي قبل أن أخرج إلى المدرسة، وكأنها تقول لي دون كلمات: «نحن ما زلنا هنا». أما أنا، فكنت أحمل تلك الليلة معي أينما ذهبت. في الفصل، حين كان المعلّم يطلب منا أن نكتب عن أحلامنا، لم أكتب عن بيت كبير ولا عن ثياب جديدة، بل كتبت عن رجالٍ بزيّ رسميّ، قرروا في لحظة واحدة أن يكونوا بشرًا قبل أن يكونوا قانونًا.

كبرتُ، وكبر السؤال معي: لماذا اختاروا اللطف؟ لماذا لم يأخذوا أمي؟ لماذا عادوا؟ لم يكن السؤال اتهامًا، بل دهشة. وفي كل مرة كنت أراه في عينيّ أمي، كانت تكتفي بابتسامة صغيرة، وتقول: «الله بيبعث رحمته في شكل ناس».

مرت السنوات، ورحل بعض الضباط من ذاك الحي، وربما نُقلوا إلى مدن أخرى، وربما نسوني تمامًا. لكنني لم

أنسهم. كنت أراهم في وجوه الغرباء، في يدٍ تمتدّ لمساعدة عجوز، وفي كلمةٍ تُقال لطفلٍ خائف. كنت أراهم كلما وقفت أمي في المطبخ، تعدّ لنا طعامًا بسيطًا، وتتنفّس بعمق كأنها تشكر الحياة لأنها منحتها فرصة أخرى.

في مراهقتي، صادفت من قال لي إن اللطف ضعف، وإن القانون لا يعرف الرحمة. لم أجادلهم كثيرًا، لكنني كنت أعرف في داخلي أنهم لم يروا ما رأيته. لم يجلسوا في سيارة شرطة وقلوبهم ترتجف، ولم يلتقوا بعطفٍ غير متوقّع في أكثر لحظاتهم هشاشة. اللطف ليس ضعفًا، بل شجاعة من نوع آخر، شجاعة أن ترى الإنسان قبل الخطأ.

حين بلغت سنّ الرشد، مرضت أمي. لم يكن المرض مفاجئًا، لكنه كان قاسيًا. جلست إلى جوار سريرها، أمسك يدها التي كانت ترتجف كما ارتجفت يوم أُخذت إلى السيارة. ابتسمت لي، نفس الابتسامة القديمة، وقالت بصوتٍ واهن: «فاكرة اللي حصل في عيد ميلادك؟». أومأت، ولم أستطع الكلام. قالت: «إوعي تنسي… الخير بيرجع».

رحلت أمي بعد ذلك بأشهر، ووجدت نفسي وحيدة مرة أخرى، لكنني لم أعد الطفلة الخائفة. كنت أحمل وصيتها كوصية حياة. اخترت طريقي بناءً على تلك الليلة، درست، تعبت، وسعيت لأن أكون في المكان الذي يمكنني فيه أن أمدّ يدي بدل أن أشيح بوجهي. لم أصبح ملاكًا، ولم أغيّر العالم، لكنني

حاولت، كل يوم، أن أكون امتدادًا لذلك اللطف الذي أنقذنا.

في أحد الأيام، بعد سنوات طويلة، كنت أعبر شارعًا مزدحمًا حين رأيت طفلة تبكي، تمسك بيد أمّها، وعيناهما مليئتان بالخوف. كانت هناك سيارة شرطة، ومشهد مألوف يعيد نفسه. توقفتُ دون تفكير. اقتربت، لا بسلطة، بل بقلبٍ يعرف الطريق. تحدثت، هدّأت، وانتظرت حتى انتهى كل شيء بسلام. قبل أن أغادر، نظرت إليّ الطفلة، وكأنها تريد أن تسألني شيئًا لا تعرف كيف تعبّر عنه. ابتسمت لها، نفس الابتسامة التي رأيتها يومًا على وجه ضابطٍ جثا أمامي.

عندها فهمت أخيرًا المعنى الكامل لتلك الليلة. لم تكن مجرد ذكرى دافئة في طفولة باردة، بل كانت بذرة. بذرة زُرعت في قلب طفل، ونمت ببطء، لتصير وعدًا غير معلن: أن اللطف، حين يُمنح في الوقت المناسب، لا ينقذ لحظة واحدة فقط، بل حياة كاملة، وربما حيوات أخرى لا نعرفها.
ما زلت أحتفظ بذكرى عيد ميلادي الثامن، لا بالكعكة ولا بالشموع ولا بالبالونات الملوّنة التي يعلّقها الآخرون في ذاكرتهم، بل بتلك اللحظة الخفية التي لم يرها أحد سواي. لحظة شعرتُ فيها أن العالم، رغم قسوته المعتادة، ورغم صوته العالي الذي لا يلتفت للصغار، قد توقّف فجأة. كأنه أخذ نفسًا عميقًا، وانحنى قليلًا، ونظر في عيني طفلٍ كان

يحاول أن يبدو شجاعًا وهو يرتجف من الداخل، وقال له بهدوءٍ لم أعرفه من قبل: «أنت لست وحدك».
لم تكن تلك الكلمات منطوقة، لكنها وصلتني بوضوحٍ مؤلم وجميل في آنٍ واحد. وصلتني في لمسة، في نظرة، في فعلٍ بسيط لم يدرك صاحبه أنه يزرع شيئًا سيعيش طويلًا. في تلك اللحظة، لم يختفِ الخوف تمامًا، ولم تُحلّ كل الجراح، لكن شيئًا ما تغيّر في داخلي. شعرتُ أن الوحدة ليست قدرًا أبديًا، وأن هناك مساحة صغيرة للنجاة، حتى في أكثر الأيام ظلمة.
وهذا بالضبط ما أحاول أن أقوله الآن، لكل من يقرأ هذه القصة بقلبٍ مفتوح: لا تستهِن أبدًا بالفعل الصغير. قد تظنّ أنك لم تفعل شيئًا يُذكر، وقد تمرّ الأيام دون أن ترى أثر ما قدمته، وربما تنسى الموقف كله. لكن صدّقني، في مكانٍ ما، هناك طفلٌ يحمل لطفك كتعويذة خفية، كضوءٍ صغير في جيبه، يعود إليه كلما شعر بالخوف، أو بالانكسار، أو بالوحدة.
ذلك الطفل سيكبر يومًا ما، وسيتذكّر حتى لو لم يتذكّر التفاصيل أن أحدهم رآه، واعترف بوجعه، ولم يمرّ بجانبه بلا اكتراث. وسيبني على تلك الذكرى أشياء كثيرة: طريقته في النظر إلى نفسه، وفي التعامل مع الآخرين، وفي الإيمان بأن العالم، رغم كل شيء، ما زال يستحق المحاولة. لأن لطفًا واحدًا، صادقًا، قد يكون البداية لكل
ما سيأتي بعد ذلك.

تم نسخ الرابط