زار قبر زوجته المليونير كعادته… لكن الطفل الذي وجده هناك غيّر حياته إلى الأبد
يحتضن الصورة بقوة. وضعها إلى جواره فقط.
بدأت التفاصيل الصغيرة تتغير. في الصباحات صار يجلس على الطاولة بدل أن يقف على الهامش. لم يعد ينتظر الإذن ليشرب الماء. صار يسأل بصوت خافت إن كان يستطيع الخروج إلى الحديقة وفي كل مرة يسمع نعم كان يهز رأسه كما لو أنه لا يزال يتدرب على تصديقها.
أما غابرييل فقد اكتشف شيئا لم يكن مستعدا له أن الأبوة لا تأتي على هيئة شعور جارف كما في الأفلام بل على شكل خوف يومي عميق خوف من الخطأ من القسوة غير المقصودة من الصمت في اللحظة الخطأ.
كان يقف أحيانا خلف باب غرفة ماتياس يسمع أنفاسه المنتظمة ويتساءل
هل أفعل الصواب
هل أنا الرجل الذي كانت كاميلا تؤمن به
وفي إحدى الأمسيات وجد ماتياس جالسا على الأرض في الممر يرسم بالقلم الرصاص خطوطا غير متناسقة.
ماذا ترسم سأل غابرييل.
تردد الصبي ثم قال
بيتا لكنني لا أعرف كيف أجعله
جلس غابرييل إلى جواره على الأرض نفسها دون أن يهتم ببدلته أو ببرودة الرخام
البيوت لا تكون ثابتة من أول مرة قال. نعيد رسمها حتى نجد الشكل الذي لا يسقط.
نظر ماتياس إليه طويلا ثم أضاف نافذة جديدة إلى الرسم.
مرت الأسابيع ثم الشهور. تعود البيت على صوت خطوات صغيرة تعود على فوضى خفيفة على كتب تترك مفتوحة على أحذية لا تصف دائما في مكانها الصحيح. وتعلم غابرييل ببطء شديد أن الكمال ليس شرطا للحب.
في يوم ما عاد إلى البيت متعبا مثقل الرأس. وجد ماتياس جالسا على الأريكة يقرأ بصوت منخفض. توقف عند الباب يستمع. كان الصبي يقرأ رسالة قديمة بخط كاميلا. لم يقاطعه.
وعندما انتهى رفع ماتياس عينيه وقال
كانت تحبك.
لم يجب غابرييل فورا. جلس وأغمض عينيه للحظة
وأنا لم أكن أعرف كيف أكون حاضرا قال أخيرا.
هز ماتياس رأسه
أنا أيضا أتعلم.
في يوم توقيع الوثيقة
عندما خرجا وقف ماتياس بجانبه ينظر إلى المبنى ثم إلى يده. لم يمسكها لكنه اقترب خطوة.
وفي الطريق إلى السيارة قال غابرييل
هل أنت جاهز
لم يكن السؤال عن الأوراق ولا عن المستقبل البعيد.
نظر ماتياس إلى البيت إلى السماء ثم قال
لا أعرف لكنني لا أريد الرحيل.
ابتسم غابرييل ابتسامة صغيرة غير متقنة
ولا أنا.
في تلك الليلة علق ماتياس رسمه الجديد على الحائط بيت بنوافذ كثيرة وباب كبير مفتوح. قال
هذا البيت لا يغلق.
لم يكن البيت قد تغير في شكله لكنه امتلأ بشيء لم يعرفه من قبل. صار للصباح صوت وللمساء معنى وللصمت دفء لا يخيف. لم يعد غابرييل يعد الأيام ولم يعد ماتياس يراقب الأبواب.
في إحدى الليالي وبينما كان المطر يطرق النوافذ بهدوء خرج ماتياس من غرفته حافي القدمين. وقف لحظة كأنه يستجمع شجاعته ثم قال بصوت خافت لكنه ثابت
هل يمكنني الجلوس هنا
ربت غابرييل على المقعد جواره دون أن يتكلم. جلس ماتياس مترددا في البداية ثم مال برأسه قليلا وكأن جسده اختار قبل عقله.
لم يقل كلمة.
ولم يحتج غابرييل إلى سماعها.
كان كافيا أن الطفل لم يعد يبحث عن مكان ينام فيه بل عن شخص يبقى. وكافيا أن الرجل الذي ظن أن قلبه لا يصلح إلا للسيطرة اكتشف أنه قادر على الاحتواء.
في الصباح التالي فتح ماتياس الباب بنفسه وتركه مفتوحا دون خوف.
وفي إطار الباب علق رسما جديدا رجل وطفل يقفان جنبا إلى جنب. لا يحمل أحدهما الآخر ولا يسبقه فقط يمشيان في الاتجاه نفسه.
أسفل الرسم كتب بخط متردد
هنا لا يرحل أحد.
وعندها فقط أدرك غابرييل أن كاميلا لم تتركه وحيدا
بل
وكان عليه أخيرا أن يسير فيه.