طفلة الملياردير لم تتوقّف عن البكاء… وما فعله فتى من الدرجة السياحية غيّر كلّ شيء
لم يكن الصمت الذي يسبق الإقلاع في مقصورة الدرجة الأولى صمتا عاديا بل كان صمتا مصقولا بعناية كأن أحدهم جلس طويلا يفكر في شكله النهائي قبل أن يتركه يستقر في المكان. صمت يعرف حدوده لا يسمح بشقوق ولا يقبل اختراقا يشبه واجهات الفنادق الفاخرة التي لا تترك للعين فرصة أن ترى خلفها شيئا غير اللمعان والبرودة المحسوبة. كان صمتا مصنوعا ليمنح الإحساس بالسيطرة بالطمأنينة وبأن كل شيء يسير كما ينبغي. غير أن هذا الصمت بكل صلابته الظاهرية لم يكن مستعدا لما هو قادم.
انفجر الصوت فجأة.
لم يأت تمهيدا ولم يمنح أحدا فرصة للاستعداد. صرخة حادة قصيرة خرجت كطعنة في الهواء ثم لحقتها أخرى أطول وأكثر اضطرابا قبل أن يتحول الأمر إلى بكاء متواصل مرتجف متلاحق الأنفاس لا يطلب شيئا محددا بقدر ما يعلن رفضا كاملا للوضع كله. لم يكن بكاء يمكن تجاهله أو التعايش معه بل صوتا صغيرا عنيدا صادقا يشق الهواء ويعيد تعريف المكان وحدوده ووظيفته.
كانت نورا.
اهتزت مقصورة الدرجة الأولى
شدت امرأة شابة معطفها الكشميري حول كتفيها وكأن الصرخة اخترقت جسدها لا أذنيها فقط. أخرج رجل خمسيني هاتفه نظر إلى الشاشة بلا تركيز ثم أعاده إلى جيبه بلا هدف حقيقي. سيدة مسنة أغمضت عينيها ببطء كما لو أن تجاهل الواقع قد يعيده إلى سابق عهده أو على الأقل يخفف وطأته.
لم يكن هذا ما دفعوا المال من أجله.
لم تكن هذه التجربة جزءا من الرفاهية المتفق عليها.
لكن هنري ويتمان لم ير شيئا من ذلك.
كان يجلس قرب النافذة ظهره مستقيم ظاهريا وكتفاه مشدودتان أكثر مما ينبغي كأن جسده يحاول أن يعوض عن ارتخاء داخلي لا
نظر إليها هنري طويلا وشعر بأن شيئا في داخله ينهار ببطء لا دفعة واحدة بل طبقة بعد أخرى كما تنهار الجدران القديمة تحت ضغط الزمن.
قبل أسابيع قليلة فقط لم يكن هكذا.
كان زوجا.
كان يعود إلى بيت يعرفه جيدا يعرف زواياه وروائحه وصوت الأرضية تحت قدميه. كان يسمع صوت زوجته في الغرفة المجاورة أو ضحكتها الخافتة من المطبخ ويشعر بذلك الوجود الهادئ الذي لا يلاحظ إلا حين يختفي. ثم جاءت تلك الليلة الطويلة تلك الساعات التي امتدت بلا نهاية حيث اختلط الضوء الأبيض برائحة المطهرات والصراخ بالصمت والأمل بالخوف.
ولدت نورا ثم رحلت أمها.
رحلت بسرعة لم تمنحه حتى فرصة الفهم.
لم يمنح وقتا للحزن كما ينبغي. فالعالم لا يتوقف احتراما للفقد ولا يمنح
لكن الآن داخل هذه الطائرة التي تعبر المحيط بعيدا عن المكاتب الزجاجية ومجالس الإدارة أدرك حقيقة لم يكن مستعدا لها
أن القوة التي أتقنها طوال حياته لا تنفع هنا ولا تحميه ولا تسكت بكاء طفل.
هز نورا قليلا بحذر مبالغ فيه.
تمتم بكلمات غير متأكدة بلا معنى حقيقي.
حاول تقليد ما رآه في مقاطع قصيرة لكن جسده كان متيبسا وحركاته مترددة كأن الخوف يربط أطرافه بخيوط غير مرئية.
زاد البكاء.
اقتربت مضيفة بابتسامة مدروسة تلك الابتسامة التي تدربت عليها جيدا. أخذت الطفلة للحظات غيرت وضعيتها همست بشيء لطيف ثم أعادتها وهي تعتذر بلطف مهني. جاءت أخرى ثم ثالثة وكل محاولة كانت تنتهي بالنتيجة نفسها وكأن نورا ترفض كل شيء لا يحمل طمأنينة حقيقية.
بدأ هنري يشعر بالاختناق.
لم