قضى أربعين عامًا وهو يعتقد أن الحبّ خُلق لغيره لا له
«تفضّلي… قبل أن تمرضي.»
دخلت إيلينا كاستيو إلى حياته كما دخلت إلى بيته: فجأة، بلا استئذان من مخاوفه، وبلا وعود.
أشعل المدفأة، وقدّم لها منشفةً جافة، ثم كوبًا من الشاي الساخن. جلس على الكرسي المقابل لها، تاركًا مسافة محترمة بينهما. لاحظ نظراتها الخاطفة إلى عرجته، إلى ذراعه اليمنى شبه الساكنة، ثم إلى وجهه. لم تكن نظرات شفقة، ولا فضولًا فجًّا؛ كانت محاولة فهم.
قالت بعد صمتٍ قصير:
«شكرًا… لم أكن أعلم أن أحدًا يعيش هنا.»
ابتسم ابتسامة صغيرة، معتادة على أن تكون دفاعًا لا دعوة.
«ولا أحد يعلم… وهذا يناسبني.»
أخبرته قصّتها باختصار: صحفية حرّة، في طريقها لإجراء مقابلة مع عائلةٍ تعيش في إحدى القرى النائية، أخطأت الطريق بسبب العاصفة. لم تخض في التفاصيل، وكأنها تخشى أن تُثقِل عليه.
لكن الليل كان طويلًا، والمطر لم يتوقّف.
مع مرور الساعات، بدأت الحواجز تتآكل. تحدّثا عن أمورٍ بسيطة في البداية: الكتب، الموسيقى، الوحدة
حين لاحظت صعوبة حركته وهو ينهض ليضيف حطبًا إلى المدفأة، قامت دون تردّد وساعدته. توقّف، توتّر، ثم سمح بذلك. كانت تلك اللحظة الصغيرة—التي لم يُعلّق عليها أيٌّ منهما—نقطة تحوّل صامتة.
في الثالثة فجرًا، هدأ المطر أخيرًا. عرض عليها أن تنام في الغرفة الصغيرة المجاورة للمكتب. شكرته، وتمنّت له ليلة هادئة.
لكن النوم لم يأتِ.
كان أليخاندرو مستلقيًا، ينظر إلى السقف الخشبي، يستعيد ضحكتها، نبرة صوتها، الطريقة التي نظرت بها إليه—كإنسان كامل، لا كمجموعة عيوب. خاف. خاف من أن يكون هذا مجرّد وهم آخر، اختبارًا قاسيًا جديدًا من الحياة.
في الصباح، استيقظ على رائحة القهوة.
لم يصدق في البداية. نهض ببطء، وتوجّه إلى المطبخ. كانت إيلينا
«أتمنى ألا أكون قد تجاوزت حدودي.»
هزّ رأسه، وصوته خرج أكثر دفئًا مما توقّع:
«أبدًا.»
قضيا اليوم معًا. أصلحت سيارتها جزئيًا بمساعدة ميكانيكي من البلدة اتصل به أليخاندرو. كان يمكنها المغادرة بعد الظهر، لكنها لم تفعل. قالت إن لديها متّسعًا من الوقت. لم يسأل لماذا.
قبل المغيب، جلسا على الشرفة الخشبية. الشمس كانت تغرق خلف الجبال، تلوّن السماء بدرجات برتقالية وبنفسجية. قال لها فجأة، دون تخطيط:
«أنا لم أحبّ من قبل… على الأقل ليس بالطريقة التي يحبّ بها الآخرون.»
نظرت إليه، ولم تقاطعه.
حكى لها عن باتريسيا، عن الشركة، عن تلك الجملة التي حُفرت في ذاكرته. حكى عن العزلة التي اختارها كدرع. كان يتوقّف أحيانًا، يبحث عن الكلمات، لكنها لم تستعجله.
قالت أخيرًا، بهدوءٍ صادق:
«الناس قساة حين يخافون ممّا لا يفهمونه.
لم تعِده بشيء. لم تقل إنها مختلفة. فقط بقيت.
غادرت في اليوم التالي، لكنّها تركت خلفها شيئًا لم يستطع أليخاندرو تجاهله: إحساسًا بأن قلبه لم يمت، بل كان نائمًا.
تواصلَا. رسائل طويلة، مكالمات متقطّعة. زياراتٍ متباعدة، ثم أقرب. كانت تتعلّم إيقاعه، وهو يتعلّم كيف يثق دون أن يختبئ.
لم يكن الطريق سهلًا. كانت هناك نظرات، تعليقات، لحظات شكّ داخليّة عاتية. في إحدى المرّات، سمعها تردّ على صديقةٍ لها بحدّة:
«نعم، لديه إعاقة. لا، هذا لا يعرّفه. وإن كنتِ لا تفهمين ذلك، فالمشكلة ليست فيه.»
حين أخبرته بما حدث، بكى. لم يحاول إخفاء دموعه.
بعد عام، عاد المطر إلى سييرا مادري في ليلةٍ مشابهة. لكن هذه المرّة، لم يكن أليخاندرو وحده في البيت الجبليّ. كانت إيلينا إلى جواره، تستمع إلى العاصفة دون خوف.
فهم أخيرًا أن الحبّ لم يُخلق لغيره.
فقط… تأخّر قليلًا، ليصل في الوقت الذي كان مستعدًا