نادلة قدّمت برغرًا مجانًا لمشرّد… فصرخ بها المدير أمام الجميع، ثم حدث ما لم يتوقّعه أحد!
نادلة قدمت برغرا مجانا لمشرد فصرخ بها المدير أمام الجميع ثم حدث ما لم يتوقعه أحد!
كان المطر ينهمر بلا هوادة لا بعنف صاخب ولا برفق حنون بل بثقل منتظم يشبه إيقاع فكرة ملحة لا تكف عن الطرق. كانت قطراته ترتطم بزجاج مطعم ريفرسايد داينر كأنها تستأذن للدخول أو كأنها تذكر من بالداخل أن العالم في الخارج لا يزال قاسيا باردا وممتلئا بمن لا يجدون مأوى.
ليلة الثلاثاء كانت من تلك الليالي التي تتمدد فيها الدقائق بكسل حيث لا شيء يحدث ومع ذلك تشعر أن كل شيء ممكن أن يحدث. أواخر نوفمبر في هذه البلدة الصغيرة كان دائما هكذا برد لا يلسع لكنه يتسلل أضواء شاحبة تنعكس على الإسفلت المبلل ووجوه عابرة تبحث عن دفء مؤقت ولو كان في فنجان قهوة رخيصة.
مسحت سارة الطاولة للمرة الثالثة خلال دقائق. لم يكن هناك سبب حقيقي فالمكان شبه فارغ لكن يديها كانتا تتحركان تلقائيا كلما خف الزحام. كانت في السادسة والعشرين من عمرها نحيلة القوام سمراء البشرة
ارتدت زي النادلات الأزرق الداكن وربطت شعرها بإحكام خلف رأسها. منذ عامين تعمل هنا تعرف صوت آلة القهوة قبل أن تبدأ بالأنين وتعرف أي أرضية تصدر صريرا خافتا وأي مقعد يهتز إن جلس عليه أحد بعجلة. ريفرسايد داينر لم يكن مجرد مكان عمل بل مساحة زمنية علقت فيها لا سيئة بما يكفي لتغادر ولا كريمة بما يكفي لتشعر أنها تنتمي.
لم يكن في المطعم سوى أربع طاولات مشغولة. زوجان عند النافذة يتجادلان همسا كلمات مقتضبة وملامح مشدودة توحي بأن الحديث أعمق من مجرد خلاف عابر. قرب المنضدة الطويلة جلس سائقا شاحنة قبعتاهما موضوعتان جانبا وأكواب القهوة أمامهما يتبادلان قصص الطرق الطويلة ومحطات الوقود التي تشبه بعضها بعضا. أما المقصورة الركنية فكان يشغلها رجل واحد.
ذلك الرجل شد انتباه سارة منذ اللحظة التي دخل
لم يكن دخوله لافتا. لم يصدر صوتا ولم ينظر حوله باستطلاع ولم يطلب شيئا سوى كوب ماء. جلس بهدوء وأسند ظهره إلى المقعد وحدق في قائمة الطعام كما لو أنها وثيقة رسمية أو رسالة تحمل خبرا مصيريا.
مرت أربعون دقيقة وربما أكثر وهو على حاله. لم يخرج هاتفا لم يلتفت لم يبد متذمرا. معطفه الرمادي كان قديما واضحا أنه شهد شتاءات كثيرة. ياقة مرفوعة قبعة صوفية منخفضة وحقيبة ظهر باهتة عند قدميه تحمل آثار سفر طويل لا يعرف إن كان قد انتهى أم لا.
لاحظت سارة كتفيه المنحدرتين. لم يكن انحناؤهما بسبب التعب الجسدي وحده بل بسبب ثقل آخر لا يرى. وحين رفع كوب الماء إلى فمه ارتجفت أصابعه قليلا. لم يكن ارتجاف برد بل ارتجاف إنسان يحاول التماسك.
عرفت تلك النظرة.
في هذه البلدة مر كثيرون من هذا النوع. أناس لفظتهم الحياة خارج مساراتها المعتادة لم يعودوا يطلبون شيئا سوى أن يجلسوا قليلا في مكان دافئ دون أسئلة دون شروط. لكن ريفرسايد داينر لم
السياسة كانت واضحة مكتوبة بخط عريض خلف المنضدة
لا جلوس بلا طلب. لا طعام بلا دفع.
وكان السيد هارلان المدير حارس هذه القاعدة. رجل في الخمسين أصلع صوته مرتفع يؤمن أن الانضباط الصارم هو ما يبقي المكان قائما. لا يهمه السياق ولا القصة ولا الوجوه. قبل شهر فقط طرد فتى مراهقا لأنه طلب صلصة إضافية دون أن يطلب طبقا آخر.
ومع ذلك لم تستطع سارة أن تبعد نظرها عن الرجل في الزاوية.
كانت ترى كيف يقرأ الأسعار ببطء كيف تتوقف عيناه عند كل رقم كأنه يحسب ما في جيبه بدقة مؤلمة. لم يكن يطلب شفقة ولم يمد يده فقط جلس بصمت ثقيل.
نظرت نحو المطبخ. كان هارلان منشغلا بالصراخ في وجه غاسل الصحون بسبب نقص في الجرد. لويس الطاهي لمح نظرتها من خلف نافذة التمرير. رفع حاجبيه في صمت سؤال واضح لا يحتاج كلمات.
أومأت سارة مرة واحدة.
لم تتكلم. لم يكن هناك متسع للكلام.
دخلت المطبخ بخطوات سريعة كأنها تخشى أن يتبدد قرارها إن تباطأت.