ملياردير فقد الأمل في المشي حتى وضع طفلٌ يده على ساقيه
واحد فقط.
لكنه تحرك.
لم يكد راشد بن ناصر الهاجري يفتح عينيه في صباح اليوم التالي حتى شعر بثقل غريب في جسده.
لم يكن ألما ولا راحة بل إحساسا جديدا لم يعرف له اسما.
كأن جسده الذي كان صامتا منذ عامين بدأ يهمس.
في مستشفى الملك فهد التخصصي وقف الأطباء حول سريره في صمت ثقيل.
أجهزة الرنين المغناطيسي عرضت صورا يعرفونها جيدا
إصابة كاملة ثابتة لا جدال فيها.
لكن ما ظهر بين تلك الصور كان كفيلا بإرباك أعوام من العلم.
مسارات عصبية دقيقة حديثة التكون كأن الجسد قرر أن يعيد كتابة قوانينه الخاصة.
قال كبير الأطباء وهو يخلع نظارته ببطء
لا تفسير علميا لما نراه.
ثم أضاف بصوت منخفض
نستطيع فقط أن نسميه تعافيا
لم يهتم راشد بالمصطلحات.
كان كل ما يشغله سؤالا واحدا
هل يمكن أن يتكرر
بدأت رحلة العلاج الفيزيائي في اليوم نفسه.
جلسات قاسية مؤلمة طويلة.
ساعات من المحاولات الفاشلة والسقوط والارتجاف.
لكن راشد لم يعد الرجل الذي يعرف الاستسلام.
في كل مرة كانت ساقاه تخذلانه كان يتذكر يدا صغيرة وضعت فوق ركبته بلا خوف.
وفي كل مرة كان اليأس يقترب كان يتذكر دعاء بسيطا خرج من فم طفل لم يعرف المستحيل.
مرت الأسابيع.
ثم الشهور.
خطوة أولى
غير متوازنة مرتعشة.
ثم خطوة ثانية.
ثم ثالثة.
كان يعرج نعم.
وكان يسقط أحيانا.
لكن الأرض
كانت هناك.
دافئة.
حقيقية.
وفى راشد بوعده لكن ليس بالطريقة التي نطق
لم يمنح ثروته كاملة.
بل منح ما هو أعمق.
اشترى لنورة وابنها سالم منزلا هادئا مطلا على حديقة صغيرة.
تكفل بتعليم سالم في أفضل المدارس ورعاية والدته دون إذلال أو استعراض.
ثم أسس مؤسسة الهاجري لدعم الأطفال ذوي الإعاقة تمول الأبحاث وتفتح أبواب العلاج لمن لم يكن لهم نصيب من المال أو النفوذ.
لكن أعظم تغيير لم يكن في الأوراق ولا في الحسابات.
كان في راشد نفسه.
في صباحات الأحد كان يرى في أحد المنتزهات العامة بلا حراسة بلا بدلات رسمية.
يحمل كرة قدم لا بصفته رجل أعمال بل رجلا يتعلم الفرح من جديد.
كان سالم يركض أمامه يضحك يسقط ينهض بلا خوف.
وكان راشد يراقبه وقلبه ممتلئ بشيء لم يعرفه من
الامتنان.
تذكر كيف كان يقيس قيمته بالأرقام.
كيف ظن أن القوة تشترى وأن الخسارة تعالج بصفقة أكبر.
لكنه تعلم متأخرا وربما في اللحظة المناسبة أن هناك قوة لا تخضع للعقود ولا للحسابات.
قوة الإيمان الصادق.
إيمان لا يطلب مقابلا ولا يشترط نتيجة.
كان يتوقف أحيانا يضع يديه على ركبتيه ليلتقط أنفاسه
ثم يرفع رأسه نحو السماء.
لا ليطلب شيئا
بل ليشكر.
لم ينس راشد ذلك اليوم تحت شجرة السدر.
اليوم الذي جلس فيه محاطا بثروة لا تمنحه خطوة واحدة.
واليوم الذي غيرت فيه يد طفل وقلب نقي مسار حياته بالكامل.
أدرك أخيرا أن الفرصة الثانية للحياة لا تشترى.
ولا توقع على ورق.
بل تهدى.
وكانت المعجزة في أبسط صورها
أن
قادر على إيقاظ ما ظنه العقل مستحيلا.
النهاية