مرّت أكثر من ثلاث سنوات منذ أن دخل الرجل في غيبوبة، ومع ذلك كانت كلّ ممرّضة تُكلَّف برعايته تحمل بعد فترة قصيرة
كان أدريان سانتوس في غيبوبة منذ أكثر من ثلاث سنوات. وهو رجل إطفاء في التاسعة والعشرين من عمره سقط أثناء إنقاذ أشخاص من مبنى مشتعل في مانيلا
مرت ثلاث سنوات والرجل في غيبوبة كاملة وخلالها حملت كل ممرضة تولت رعايته واحدة تلو الأخرى دون أي تفسير.
وحين زرع الطبيب كاميرا خفية سرا داخل الغرفة شاهد ما دفعه إلى الاتصال بالشرطة فورا.
في المرة الأولى لم ير الدكتور رافائيل ميندوزا في الأمر ما يستدعي القلق.
اعتبره محض مصادفة عابرة واحدة من تلك التوافقات الغريبة التي تحدث في بيئات العمل المغلقة.
فحالات الحمل بين الممرضات ليست أمرا نادرا والمستشفيات أماكن تتجاور فيها الحياة والموت حيث يولد الأمل أحيانا من أكثر اللحظات قسوة وكثيرون يبحثون عن العزاء بأي صورة وفي أي وقت.
لكن المصادفة حين تتكرر تفقد براءتها.
عندما دخلت الممرضة الثانية المكلفة برعاية أدريان سانتوس مكتبه وأخبرته بخبر حملها شعر رافائيل بوخزة خفيفة من الاستغراب حاول تجاهلها.
وحين تبعتها الثالثة بعد أسابيع قليلة بدأ شيء ما يتصدع داخله كأن أرضية يقينه العلمي لم تعد صلبة كما ظن دائما.
لم يكن خائفا بعد لكن الشك بدأ يمد جذوره في أعماقه.
كان أدريان سانتوس في غيبوبة منذ أكثر من ثلاث سنوات.
رجل إطفاء في التاسعة والعشرين من عمره سقط من مبنى مشتعل أثناء محاولته إنقاذ مدنيين محاصرين بالدخان في أحد أحياء مانيلا.
منذ ذلك اليوم تحولت قضيته إلى مأساة صامتة داخل أروقة مركز سان إيسيدرو الطبي مأساة اعتادها الطاقم حتى كادت تصبح جزءا من الروتين اليومي.
كان شابا بملامح هادئة على غير ما توحي به مهنته الخطرة يحمل وجهه ندوبا قديمة تشهد على حياة مليئة بالمخاطر.
لم يستعد وعيه مرة
وفي كل عيد ميلاد كانت عائلته ترسل باقة زهور جديدة توضع قرب سريره في صمت مؤلم.
وكانت الممرضات يقلن دائما كم يبدو مسالما كأن النوم الأبدي قد طمسه من الداخل.
لم يكن أحد يتوقع منه شيئا سوى الصمت.
إلى أن بدأ نمط غريب بالظهور نمط لا يمكن تجاهله.
كل ممرضة حملت كانت قد عينت لرعاية أدريان على المدى الطويل لا لليلة واحدة ولا لمناوبة عابرة.
وجميعهن كن يعملن في نوبة الليل داخل الغرفة نفسها الغرفة 312B حيث السكون أثقل والأنوار أخفت والوقت يتمدد بلا رحمة.
والأدهى أن جميعهن أكدن بوجوه شاحبة وأصوات مرتجفة أنه لا توجد في حياتهن أي علاقة يمكن أن تفسر الحمل.
بعضهن كن متزوجات وبعضهن لا لكن الحقيقة الوحيدة التي جمعتهن كانت الحيرة.
حيرة مشوبة بالخجل وخوف مكتوم من سؤال لا يجرؤ أحد على طرحه بصوت عال.
في البداية انتشرت الشائعات في أرجاء المستشفى بلا ضابط ولا عقل.
نظريات عبثية يتهامس بها الموظفون في الممرات وغرف الاستراحة
تفاعلات هرمونية نادرة أخطاء دوائية غير مكتشفة وربما تلوث بيئي غامض.
لكن الدكتور رافائيل ميندوزا طبيب الأعصاب المسؤول لم يجد في أي منها ما يصمد أمام المنطق أو الفحوصات.
كانت جميع نتائج أدريان طبيعية إلى حد يثير السخرية.
علاماته الحيوية مستقرة نشاطه الدماغي ضعيف لكنه متوقع لا حركة جسدية لا ردود فعل.
كل شيء يشير إلى جسد ساكن ومع ذلك كانت المصادفات تتراكم كأنها تتحدى العلم ذاته.
وعندما دخلت الممرضة الخامسة مكتبه امرأة هادئة تدعى نينا فيرما لم تعد الكلمات ضرورية.
كانت تبكي بصمت تمسك بيد مرتجفة اختبار حمل إيجابي وتقسم أنها لم تكن على علاقة بأي شخص منذ أشهر طويلة.
في تلك اللحظة
قال لنفسه بصوت خافت
لطالما وثقت بالعلم لكن ماذا لو كان العلم هذه المرة أعمى
كانت إدارة المستشفى تضغط مطالبة بإجابات.
وكانت وسائل الإعلام قد بدأت تشم رائحة قصة غير اعتيادية.
أما الممرضات العالقات بين الخوف والعار فكن يتوسلن أن ينقلن من غرفة أدريان بأي ثمن.
عندها اتخذ الدكتور ميندوزا القرار الذي سيغير كل شيء.
في ظهر يوم جمعة بعد انتهاء نوبة آخر ممرضة دخل الغرفة 312B وحده.
كان الهواء مشبعا برائحة المطهر ممزوجة بلمحة خفيفة من الخزامى التي اعتادت إحدى الممرضات رشها.
كان أدريان ممددا كعادته ساكنا تماما والأجهزة إلى جوار السرير تطلق أزيزها المنتظم كأنها تراقب الصمت.
تفحص رافائيل الكاميرا صغيرة الحجم مخفية بإتقان داخل مروحة التهوية موجهة مباشرة نحو السرير.
تأكد من زاويتها ومن ضوء التسجيل ثم ضغط زر التشغيل.
بدأ التسجيل.
وللمرة الأولى منذ سنوات غادر الغرفة
وقلبه مثقل بخوف متزايد مما هو على وشك اكتشافه خوف لم يمنحه العلم أي وسيلة لتجاهله.
لم تكن الليلة الأولى للتسجيل مختلفة في ظاهرها عن غيرها.
الغرفة 312B غارقة في هدوئها المعتاد الضوء الخافت ينساب على الجدران البيضاء وصوت الأجهزة الطبية ينسج إيقاعا رتيبا يوحي بالأمان.
لكن الدكتور رافائيل ميندوزا وهو يراقب البث المباشر من غرفة المراقبة الصغيرة كان يشعر بأن هذا الهدوء كاذب.
في الساعات الأولى لم يحدث شيء.
أدريان سانتوس ممدد كما هو دائما عيناه مغلقتان صدره يرتفع وينخفض بانتظام وكأن الغيبوبة قد صارت جلده الثاني.
رافائيل حاول أن يقنع نفسه بأن ما فعله كان مبالغة وأنه سمح للضغط والخوف بأن يقوداه إلى قرار غير أخلاقي.
إلى
عند الثانية فجرا انطفأت إحدى الإشارات الحيوية على الشاشة لثوان ثم عادت.
لم يكن ذلك غريبا من الناحية الطبية لكن الكاميرا التقطت شيئا آخر
ارتعاشا خفيفا في أصابع أدريان بالكاد يرى.
مال رافائيل إلى الأمام وقلبه يخفق.
أعاد اللقطة ببطء إطارا تلو الآخر.
نعم الحركة حقيقية.
في الليالي التالية تكرر الأمر.
حركات دقيقة شبه إرادية لا تسجلها التقارير الرسمية ولا يلاحظها أحد في النوبات المعتادة.
وكأن الجسد في غياب الوعي يحتفظ بسر خاص به.
لكن الصدمة الحقيقية لم تأت من أدريان.
في الليلة السابعة دخلت الغرفة ممرضة بديلة لم تكن ضمن الحالات السابقة.
لم تقترب من السرير أكثر من اللازم أدت مهامها بهدوء ثم خرجت.
بعدها بدقائق انفتح باب جانبي لم يكن رافائيل يعلم بوجوده أصلا.
ظهر رجلان بملابس طبية لا تحمل أي شارة للمستشفى.
تجمد الدم في عروق رافائيل.
الرجلان تحركا بثقة وكأن الغرفة ملك لهما.
أحدهما أمسك بحقيبة معدنية صغيرة والآخر توجه مباشرة نحو الأجهزة.
لم يبد أدريان بالنسبة لهما مريضا بل موضوعا.
أخرج الأول حقنة شفافة سائلها عديم اللون بينما راقب الآخر المؤشرات الحيوية بعناية مفرطة.
الحقنة دخلت الوريد بسلاسة دون أي مقاومة.
رافائيل شعر بالغثيان.
بعد دقائق حدث ما لم يكن في الحسبان.
نشاط الدماغ على الشاشة قفز قفزة حادة ثم استقر عند مستوى لم يسجل منذ ثلاث سنوات.
أدريان تحرك.
لا ارتعاش هذه المرة بل انقباض واضح في الفك ثم زفرة طويلة خرجت من صدره.
الرجلان تبادلا نظرة سريعة.
دون أحدهما شيئا على جهاز لوحي بينما قال الآخر بصوت خافت لم تلتقطه الكاميرا.
ثم كما دخلا غادرا.
رافائيل جلس مشلولا.
ما شاهده لم يكن جريمة فردية
كان تجربة.
تجربة تدار بدقة وتخفى خلف جدران المستشفى وتمارس على جسد إنسان