مرّت أكثر من ثلاث سنوات منذ أن دخل الرجل في غيبوبة، ومع ذلك كانت كلّ ممرّضة تُكلَّف برعايته تحمل بعد فترة قصيرة
لا يستطيع الدفاع عن نفسه.
في اليوم التالي راجع أرشيف المستشفى سرا.
وجد تحويلات غامضة في ملفات أدريان توقيعات بأسماء لا تنتمي إلى الطاقم الرسمي وبروتوكولات علاجية غير مدرجة في أي سجل علني.
كلها تحمل رمزا واحدا
S312
بدأت الصورة تتشكل ببطء مرعب.
الممرضات لم يكن الهدف.
كن نتيجة.
عندها فقط فهم رافائيل لماذا كانت كل الحالات من نوبة الليل ولماذا لم يسمح لأي طبيب آخر بالبقاء طويلا في الغرفة.
الغرفة 312B لم تكن غرفة عناية مركزة.
كانت مختبرا سريا.
وفي تلك اللحظة أدرك أن الكاميرا التي زرعها لم تعد وسيلة كشف
بل أصبحت تهديدا مباشرا لكل من يقف خلف هذه التجارب.
وأن السؤال لم يعد
ماذا يحدث هنا
بل
كم من الوقت سيسمح له بالبقاء حيا بعدما عرف الحقيقة
لم ينم الدكتور رافائيل ميندوزا تلك الليلة.
جلس في شقته الصغيرة تحيط به الملفات المطبوعة التي سربها من نظام المستشفى وأمام عينيه شاشة حاسوبه المفتوحة على تسجيل الكاميرا الخفية.
أعاد المشاهد مرارا محاولا أن يلتقط كل تفصيلة كل حركة كل ثانية صمت.
الرجلان اللذان دخلا الغرفة لم يكونا مرتجلين.
حركاتهما مدروسة خطواتهما هادئة وكأنهما نفذا هذا الإجراء عشرات المرات من قبل.
والأخطر من ذلك أن الأجهزة لم تطلق أي إنذار.
فتح رافائيل أحد الملفات الموسومة بالرمز S312.
لم يكن ملفا طبيا عاديا بل وثيقة مشفرة تتحدث بلغة علمية جافة عن التحفيز العصبي التكاثري وإعادة تنشيط الخلايا التناسلية عبر موجات عصبية غير واعية.
قرأ السطور بذهول.
كانت التجربة تهدفبحسب الوثيقةإلى إثبات أن
غيبوبة طويلة.
نشاط دماغي منخفض.
جسد لا يقاوم.
البيئة المثالية.
أدريان لم يكن مريضا عشوائيا.
كان اختيارا.
في صباح اليوم التالي عاد رافائيل إلى المستشفى بوجه شاحب يخفي اضطرابه خلف قناع الاحتراف.
راقب الوجوه من حوله الممرضات الأطباء رجال الأمن.
من يعرف
ومن يجهل
حين مر بجوار الغرفة 312B شعر بقشعريرة تسري في جسده.
الغرفة بدت كما هي دائما لكنه الآن يعرف حقيقتها.
مختبر يعمل في الظلام.
في فترة الظهيرة تلقى رسالة قصيرة على هاتفه من رقم مجهول
توقف عن المراقبة.
تجمد في مكانه.
لم يكن قد أخبر أحدا بالكاميرا.
بعد ساعات عاد إلى غرفة المراقبة بحذر.
فتح البث.
كانت الغرفة فارغة لكن الكاميرا اهتزت قليلا وكأن أحدهم لمسها عمدا ثم استقرت من جديد.
رسالة واضحة.
في تلك الليلة لم يدخل الرجلان.
دخلت امرأة.
لم تكن ممرضة ولا طبيبة.
كانت ترتدي معطفا رماديا بلا شارات شعرها مربوط بإحكام وملامحها جامدة.
وقفت أمام سرير أدريان طويلا تراقبه كما يراقب كائن تجريبي.
ثم قالت بصوت خافت التقطته الكاميرا بوضوح
الاستجابة تتسارع. نحتاج إلى مرحلة الإطلاق.
الإطلاق
ابتلع رافائيل ريقه.
حقنت أدريان بمادة جديدة مختلفة اللون.
وبعد دقائق بدأ جسده يتشنج بعنف.
المؤشرات الحيوية ارتفعت بشكل غير مسبوق ثم استقرت فجأة.
المرأة ابتسمت ابتسامة باردة.
وقالت ناجح.
في تلك اللحظة أدرك رافائيل أن ما يحدث لم يعد مجرد تجربة علمية منحرفة.
كان مشروعا كاملا
ومرحلته القادمة بدأت بالفعل.
في
إحدى الممرضات ركضت في الممرات وهي تصرخ.
الأطباء تجمعوا.
الأجهزة بدأت تطلق إنذارات متواصلة.
أدريان سانتوس تحرك.
لم يكن استيقاظا كاملا لكن عينيه انفتحتا لثوان.
نظر بلا تركيز وشفته السفلى ارتجفت كأنه يحاول الكلام.
ثم عاد السكون.
الخبر انتشر كالنار.
إدارة المستشفى أغلقت الغرفة فورا ومنعت أي شخص غير مخول من الاقتراب.
لكن رافائيل كان قد شاهد ما يكفي.
في تسجيل الكاميرا تلك الليلة حدث ما هو أخطر.
أدريان فتح عينيه مجددا وتكلم.
صوت مبحوح متقطع لكنه واضح
مش أنا
ثم صمت.
بعدها بدقائق دخل الرجلان نفسيهما ومعهما المرأة.
بدت ملامح القلق لأول مرة على وجوههم.
قال أحدهم الوعي يتسرب. هذا لم يكن في الحسبان.
ردت المرأة بحدة الجسد يتذكر. كان هذا متوقعا.
الجسد يتذكر.
رافائيل أغلق التسجيل ويداه ترتجفان.
التجربة خرجت عن السيطرة.
وأدريان لم يعد مجرد وعاء.
في تلك الليلة كتب رسالة إلكترونية مشفرة وأرفق معها مقاطع من التسجيلات وأرسلها إلى جهة واحدة فقط
الشرطة.
لم ينتظر.
مع بزوغ الفجر دوت صفارات في محيط المستشفى.
قوات دخلت.
غرفة 312B فتحت بالقوة.
لكن المختبر كان قد أفرغ.
الأجهزة أزيلت.
الملفات اختفت.
والغرفة عادت غرفة عناية عادية.
إلا من شيء واحد.
أدريان سانتوس الذي فتح عينيه هذه المرة ونظر مباشرة إلى الطبيب وقال بصوت متعب لكن واع
كانوا يستخدموننا جميعا.
في تلك اللحظة فهم رافائيل أن القصة لم تنته.
وأن الحقيقة مهما كشف منها ما زال جزء منها حيا
ينتظر أن يتكلم.
لم تتحول القضية إلى
جاء كل شيء بهدوء يشبه الطريقة التي بدأت بها التجارب نفسها.
التحقيق الرسمي استغرق أشهرا.
لم يعلن عن تفاصيله كاملة ولم تنشر الوثائق الحساسة للعلن لكن النتائج كانت كافية
برنامج بحثي غير مصرح به تموله جهة خاصة استغل ثغرات إدارية وتواطؤا محدودا من داخل المستشفى.
لم يكن مشروعا خارقا ولا مؤامرة عالمية بل تجربة علمية تجاوزت حدود الأخلاق حين وضعت النتائج فوق البشر.
أغلقت الغرفة 312B نهائيا.
وأعيد تنظيم قسم العناية المركزة بالكامل.
نقلت الممرضات المتضررات إلى وحدات أخرى وتكفلت المستشفى بدعمهن طبيا ونفسيا دون ضجة أو محاكمات علنية.
أما أدريان سانتوس فلم يستيقظ فجأة كما في القصص.
تعافيه كان بطيئا متدرجا حقيقيا.
استعاد وعيه على مراحل أياما من الصمت ثم كلمات قليلة ثم ذاكرة مجتزأة.
لم يتذكر كل شيء ولم يحتج إلى ذلك.
كان الجسد قد دفع إلى أقصاه ثم ترك ليستعيد توازنه بطريقته الخاصة.
بعد ستة أشهر خرج أدريان من المستشفى على كرسي متحرك محاطا بعائلته.
لم يعد رجل الإطفاء الذي كانه لكنه لم يعد أيضا الجسد الصامت الذي استخدم دون إذنه.
كان إنسانا حيا وهذا كان كافيا.
رافائيل ميندوزا قدم استقالته بعد انتهاء التحقيق.
لم يجبر على الرحيل لكنه شعر أن البقاء لن يكون صادقا.
انتقل إلى العمل في مركز تأهيل عصبي صغير بعيدا عن الأضواء قريبا من المرضى الذين يحتاجون إلى وقت لا إلى تجارب.
في بعض الأمسيات كان يتذكر الغرفة 312B لا بخوف بل بحذر.
حذر تعلمه متأخرا
أن العلم
بل أكثر قسوة.
وهكذا انتهت القصة لا بانفجار ولا بصمت مطبق
بل بإغلاق باب كان يجب ألا يفتح أصلا.