«سأعطيك مليونًا إن شفيتني» ضحك المليونير… إلى أن وقع المستحيل
مليون من المال.
ضحك الرجل الجالس على الكرسي المتحرك وهو يصفق كمن يفتتح عرضا مسرحيا.
كله لك إن جعلتني أمشي من جديد.
تردد صدى الضحكات القاسية في حديقة المعهد.
أربعة رجال من أصحاب الثراء أحاطوا ب ماوريسيو فارغاس أغنى رجل في الولاية.
وأمامهم وقفت طفلة حافية القدمين.
كانت ركبتيها مغطاتين بالتراب وملابسها ممزقة بفعل الفقر.
كان اسمها عالية موراليس.
وخلفها كانت والدتها عاملة نظافة في المكان تقبض على مقبض الممسحة بخجل وانكسار.
كانت قد ارتكبت خطأ إحضار ابنتها إلى العمل لعدم وجود من يعتني بها.
والآن صار فقرها مادة للتسلية.
هل تفهمين أصلا ما معنى مليون سأل ماوريسيو بابتسامة باردة.
ابتلعت عالية ريقها.
نظرت إلى وجه أمها المغمور بالدموع ثم أومأت برأسها.
هو أكثر مال سنراه في حياتنا كلها.
انفجر الرجال بالضحك.
أخرج أحدهم هاتفه وبدأ بالتصوير.
كانوا يريدون مقطعا ينتشر طفلة فقيرة تتوسل لمعجزة مستحيلة.
لكن عالية لم تتوسل.
حدقت بثبات في الكرسي المتحرك الفاخر.
ثم سألت بهدوء
إن كنت تؤمن حقا أن الأمر مستحيل فلماذا تعرض المال
سقطت الضحكة فجأة.
وبجملة واحدة كشفت الطفلة الحقيقة.
لم يكن عرضا بل إهانة.
أنت لا تعرض المال فعليا تابعت بل تطلق نكتة آمنة لأنك واثق أنك لن تضطر إلى الدفع أبدا.
توقف ماوريسيو عن الابتسام.
واشتد سواد نظرته.
وما الذي يجعلك تظنين أنك تفهمين شيئا في هذا
جدتي كانت تشفي الناس قالت عالية بلا خوف وكانت تقول
الجسد يسمع قبل أن يتحرك.
توقفت لحظة ثم تقدمت خطوة نحوه.
أنت لا تريد أن تمشي.
تصلب ماوريسيو.
لأنك لو كنت تريد ذلك لما احتجت إلى السخرية ممن يستطيعون.
أصبح الجو ثقيلا وخطيرا.
أنت لا تريد الشفاء أصرت الطفلة لأن البقاء مكسورا يسمح لك بإيذاء الآخرين دون شعور بالذنب. يمنحك الإذن.
غرست أصابع ماوريسيو في حواف الكرسي بقوة.
لم يجرؤ أحد قط على مخاطبته بهذه الطريقة.
فكيف بطفلة لا تملك شيئا
اقتربت عالية أكثر ومدت يدها الصغيرة المتسخة نحو ساقي المليونير الساكنتين.
كانت جدتي تقول لا يمكن شفاء الجسد إذا كان القلب ما يزال في حرب.
وما حدث بعد ذلك لم يكن في حسبان أحد.
لم تلمس عالية ساقي ماوريسيو فورا بل توقفت يدها في الهواء كأنها تنتظر إذنا غير مرئي. كان الصمت قد ابتلع الحديقة حتى أوراق الشجر بدت كأنها توقفت عن الارتجاف. لم يعد هناك ضحك ولا همس ولا حتى صوت الكاميرا التي ظل صاحبها مترددا لا يعرف إن كان عليه الاستمرار في التصوير أم الفرار.
رفع ماوريسيو ذقنه ببطء ونظر إلى الطفلة نظرة من اعتاد أن يطاع.
ارفعي يدك قالها ببرود لكن صوته لم يكن ثابتا
لم تفعل.
قالت عالية بصوت خافت كأنها تخاطب نفسها
قالت لي جدتي إن الجسد عنيد لكنه صادق. إن كذبت عليه عاقبك. وإن سمعته استجاب.
ارتعشت شفتا الأم واندفعت خطوة إلى الأمام.
عالية كفى أرجوك.
لكن عالية لم تلتفت. كانت عيناها معلقتين بالساقين الساكنتين لا كمن ينظر إلى عجز بل كمن ينظر إلى طفل نائم.
كم مرة حاولت أن تقوم سألت فجأة.
تردد السؤال في الهواء غير متوقع غير لائق غير محسوب.
هذا ليس من شأنك رد أحد الرجال بغضب.
لكن ماوريسيو رفع يده فأسكت الجميع.
كثيرا قالها أخيرا.
ثم أضاف بسخرية متعبة
حاولت أكثر مما يمكن لطفلة أن تتخيله.
أومأت عالية وكأنها كانت تنتظر هذا الجواب.
وهل كنت غاضبا وأنت تحاول
قطب حاجبيه.
وما علاقة الغضب بالمشي
ابتسمت ابتسامة صغيرة خالية من الشماتة.
الغضب يجعل الجسد يقبض على نفسه. يخاف أن يتحرك لأن الحركة تعني التخلي عن الألم الذي اعتاد عليه.
ضحك أحد الرجال ضحكة قصيرة متوترة.
هراء شعبي خرافات عجائز.
لكن عالية رفعت نظرها إليه فخمد صوته. لم يكن في عينيها تحد بل يقين.
ثم وضعت يدها أخيرا على ساق ماوريسيو.
لم يكن لمسا قويا ولا حركة مفاجئة. كانت كمن يضع كفه على سطح ماء راكد خشية أن يوقظه بعنف. شعرت بحرارة غير متوقعة ليست حرارة جلد بل حرارة مكبوتة كأن
شهق ماوريسيو شهقة خافتة.
ماذا تفعلين تمتم.
أستمع أجابت.
ساد الصمت مجددا.
لم تقل تعاويذ ولم تغمض عينيها ولم ترفع رأسها إلى السماء. كانت فقط صامتة. أصابعها الصغيرة ثابتة ونفسها منتظم كأنها تحاول أن تلتقط إيقاعا خفيا.
مرت ثوان بدت كدقائق.
ثم قال ماوريسيو بصوت مبحوح
هناك شيء.
انتفض أحد الرجال.
ماذا تقصد
لكن ماوريسيو لم يلتفت إليه. كان نظره مثبتا على عالية.
أشعر بوخز. خفيف. هنا.
وأشار إلى فخذه.
اتسعت عينا الأم ووضعت يدها على فمها.
مستحيل الأطباء قالوا
قاطعتها عالية بهدوء
الجسد لا ينسى الطريق حتى إن طلب منه أن يتوقف.
ثم أضافت بصوت أقرب إلى الهمس
لكن عليك أن تسمح له.
تصلب ماوريسيو.
وكيف أفعل ذلك
رفعت عالية رأسها ونظرت إليه نظرة مباشرة بلا خوف.
توقف عن استخدام كسرك كسلاح.
ساد توتر حاد كأن الكلمات سحبت الهواء من المكان.
احترمي نفسك! صاح أحدهم.
لكن ماوريسيو رفع يده مرة أخرى. كان وجهه شاحبا وعيناه مضطربتين كأن الطفلة لم تلمس ساقيه فقط بل شيئا أعمق.
اشرحي قال.
أنت تؤلم الناس لتنسى ألمك. قالتها دون قسوة. جسدك يسمع ذلك. ويظن أن الألم ضرورة للبقاء.
سحب نفسا طويلا.
وإن توقفت
سيتساءل الجسد لماذا ما زال مشلولا.
ساد صمت ثقيل.
ثم وبحركة بطيئة مرتجفة
ابتعدي خطوة.
تراجعت عالية مطيعة.
وضع يديه على ذراعي الكرسي لا كمن يستعد لعرض بل كمن يخوض معركة