مليونير على سرير النهاية… وطفلة عاملة تنظيف كسرت صمته وأعادته للحياة

لمحة نيوز

كان السؤال بسيطا لكن وقعه جاء أثقل من أي تشخيص طبي.
لماذا تبدو عيناك صامتتين هكذا يا سيدي
تجمد سالم الرفاعي في مقعده الجلدي كما لو أن الكلمات سحبت الهواء من الغرفة دفعة واحدة.
أمامه امتدت مائدة طعام صممت لاثني عشر شخصا لكنها كانت معدة كل ليلة لواحد فقط.
كان بريق الحاسوب المحمول ينعكس على الرخام اللامع وعلى الجدران العالية التي لم تسمع ضحكا منذ سنوات.
في قصره المطل على المدينة كان سالم يتعشى في صمت مدروس صمت تعلمه كما يتعلم الناس لغة ثانية.
سالم الرفاعي المدير التنفيذي لإحدى أكبر مجموعات الرعاية الصحية في المنطقة.
اسم يفتح له كل باب وثروة لا تحصى ونفوذ يجعل الرجال يصغون قبل أن يتكلم.
لكن داخل درج صغير مغلق بإحكام كان ينام سر لا يعرفه أحد
سرطان البنكرياس.
المرحلة الرابعة.
أربعة أشهر وربما أقل.
لم يخبر أحدا.
ليس شجاعة ولا إنكارا بل لأن الحقيقة كانت أبسط وأقسى
لم يكن هناك أحد ليخبره.
كل صباح كان يبتلع حبوبه بانتظام عسكري ثم يرتدي بدلته الداكنة كما لو أن القماش قادر على حفظ ما تبقى من السيطرة.
العلاج الكيميائي كان يتركه

مرهقا يديه ترتجفان وشهيته كأنها انسحبت من جسده دون وداع.
ومع ذلك كان يذهب إلى المكتب يوقع العقود ويتحدث عن المستقبل كأنه وعد حقيقي لا افتراض هش.
العمل كان درعه.
طالما الأرقام تتحرك والصفقات تبرم يمكنه أن يتجاهل الألم الأجوف الذي يتمدد في صدره كل ليلة.
الوجود الإنساني الوحيد الثابت في القصر كانت الحاجة أمينة مدبرة المنزل منذ أكثر من خمسة عشر عاما.
امرأة هادئة كفؤة تعرف كيف تدير المكان دون أن تترك أثرا.
تبادلا كلمات معدودة كل يوم ما يكفي لتسيير الأمور ولا يكفي أبدا للتواصل.
وكان سالم يفضل ذلك.
بلا أسئلة.
بلا شفقة.
وبلا تذكير بأنه يموت وحيدا.
ليلا كان يجلس عند طرف المائدة يقطع شريحة لحم لا يتذوقها
ينظر إلى الكراسي الأحد عشر الفارغة كأنها أسئلة بلا إجابة.
لم يتذكر متى امتلأت هذه الغرفة بالضحك آخر مرة
ولا متى سأله أحد كيف كان يومك وانتظر الإجابة فعلا.
لم يكن القصر بيتا.
كان نصبا تذكاريا لكل ما ضحى به.
وفي إحدى الليالي بين صوت الساعة والطبق الخزفي البارد أدرك سالم حقيقة أشد رعبا من المرض نفسه
لم يكن قد أجل الحياة
بل محاها.

بدأ الشرخ بهدوء كما تبدأ التصدعات التي لا يراها أحد.
في صباح يوم خميس وقفت الحاجة أمينة في مكتبه يداها متشابكتان على غير عادتها.
قالت بصوت غير ثابت إن كاحلها التوى وإن الطبيب أوصى براحة أسبوعين.
أومأ سالم بلا اهتمام يذكر وطلب منها أن ترتب بديلا مؤقتا.
لم يكن يعلم أن تلك الموافقة العابرة كانت الباب الذي سيدخل منه كل ما سيغير حياته.
في صباح اليوم التالي استيقظ على أصوات لا تنتمي إلى القصر.
إحداها مترددة والأخرى صغيرة على نحو لا يصدق.
تجاهلها في البداية غارقا في جداول لم تعد تعني شيئا
إلى أن انتشرت في الممر رائحة قهوة طازجة.
قهوة حقيقية دافئة حية.
ثم جاء الصوت.
ضحكة طفلة صافية بلا حساب ارتدت على الرخام كما يرتد الضوء في نفق مظلم.
توقف سالم.
قادته خطواته إلى المطبخ حيث وجد امرأة تقف قرب المغسلة بارتباك واضح.
كانت ترتدي ملابس عمل بسيطة وعيناها تتحركان بين الأرض والباب.
وبجوارها على البلاط البارد جلست طفلة صغيرة بفستان وردي باهت دمية قماشية وتدندن لها.
رفعت الطفلة رأسها.
نظرت إلى سالم مباشرة بلا خوف بلا تردد.
عينان واسعتان
فضوليتان كأنها تدرس لغزا لا رجلا.
ارتبكت المرأة فورا.
أخذت تعتذر بسرعة زائدة تشرح إغلاق الحضانة غياب البدائل والخوف من خسارة العمل في أول أسبوع.
كانت تدعى ليلى وابنتها نور ثلاث سنوات بالكاد.
أصغى سالم في صمت مستعدا لأن ينهي الموقف بكلمة واحدة
إلى أن أمالت نور رأسها قليلا.
وقالت كما لو كانت تسمي حالة الطقس
أنت حزين.
تجمد سالم.
لم تكن جملة بل ضربة مباشرة إلى مكان ظل محميا لعقود.
قال بدافع العادة إن بإمكانهما البقاء طالما لا توجد فوضى.
ثم استدار ليغادر.
لكنه سمع نور تهمس لأمها
هو مش مخيف هو فاضي.
في تلك اللحظة وإن لم يكن سالم يعلم بعد
بدأ الصمت الذي بنى عليه حياته كلها يتداعى.
لا بانفجار كبير
بل بخطوات صغيرة
وصوت صادق بما يكفي ليقول ما لم يجرؤ أحد غيره على قوله.
لم تكن نور تنتمي إلى ذلك القصر ولهذا بالضبط غيرته.
ضحكتها كانت تتردد في الممرات الواسعة التي بنيت للإبهار لا للاحتواء
ترتد عن الجدران العالية كشيء دخيل صادق لا يعرف قواعد المكان.
كانت تجلس على أرض المطبخ تفرد أوراقها وألوانها الشمعية المكسورة
وترسم شموسا أكبر
من اللازم وبيوتا تميل قليلا
وأشخاصا متشابكي الأيدي.
كل خط ترسمه كان تمردا صامتا
تم نسخ الرابط