فقدت والديها في سن 14… فظنّت أن فتىً فقيرًا أنقذها ولم تعلم أنه كان الكابوس

لمحة نيوز

فقدت والديها في سن 14… فظنّت أن فتىً فقيرًا أنقذها ولم تعلم أنه كان الكابوس
لم تكن ليان تعرف أن بعض الأيام لا تُنسى، ليس لأنها جميلة، بل لأنها تسرق منك القدرة على أن تكون الشخص نفسه بعدها.
قبل ذلك الصباح، كانت ليان فتاة عادية جدًا، وربما لهذا كانت سعيدة.
تضحك بسهولة، وتبكي بسرعة، وتحلم بلا حساب.
كانت تكتب اسمها على أطراف دفاترها، ثم تمسحه خجلًا، وكأن الاسم نفسه سرّ لا ينبغي أن يراه أحد.
أبوها كان يناديها:
— «يا نجمة البيت»
وأمها كانت لا تنام قبل أن تطمئن أن ليان أغلقت النافذة جيدًا.
لم تكن الحياة عظيمة، لكنها كانت آمنة، وهذا كان كافيًا.
في صباحٍ رمادي، خرجت ليان إلى المدرسة متأخرة.
نسيت كراسة العلوم، ونسيت معها أن هذا النسيان سيكون آخر أخطائها الصغيرة.
استوقفتها المعلمة عند الباب، قالت ببرود:
— «ارجعي بالواجب، ولا تعودي دونَه».
خرجت ليان وهي تكتم دموعها، تفكر فقط في أن تمر على دكان والديها الصغير، تأخذ الكراسة، وتعود قبل أن يُغلق باب الصف.
لكنها لم تصل.
في منتصف الطريق، كان هناك ازدحام غير مألوف.
ناس متجمعون، همسات، وصوت صفارة حادّ يشق الهواء.
اقتربت بخطوات مترددة، ثم رأت…
دراجة محطمة.
وزجاجًا متناثرًا.
وشيئين مغطّيين بقماش أبيض لا ينبغي أن يكون أبيض في هذا الموضع.
سمعت رجلًا يقول:
— «الشاحنة فقدت السيطرة… ماتا في الحال».
لم تصرخ

ليان.
لم تركض.
لم تبكِ.
فقط شعرت أن شيئًا ما انطفأ في صدرها دفعة واحدة.
اقترب منها شرطي، أمسك بذراعها قائلًا:
— «لا تنظري يا صغيرة».
لكنها كانت قد نظرت.
ورأت أكثر مما يحتمله عمرها.
في ذلك اليوم، لم تخسر ليان والديها فقط.
خسرت البيت.
والمدرسة.
وكل فكرة بريئة عن أن العالم مكان يمكن الوثوق به.
انتقلت بين بيوت الأقارب، حتى استقرت عند خالتها.
لم تقل الخالة إنها لا تريدها، لكنها تصرفت كأن ليان عبء مؤقت… طال بقاؤه.
لا مدرسة بعد الآن.
لا دفاتر.
لا وقت للحزن.
كانت تستيقظ قبل الفجر، تحمل الماء، تنظف الأرض، وتغسل الصحون حتى تتشقق يداها.
وإن أخطأت؟
الخطأ لا يُفسَّر… بل يُعاقَب.
تعلمت ليان سريعًا أن الجوع يمكن احتماله،
لكن الإهانة… لا.
في إحدى الليالي، وبعد يوم طويل انتهى بصفعة لم تفهم سببها، خرجت من البيت بلا وجهة.
جلست خلف حاويات القمامة، وضمّت ركبتيها، وهمست:
— «لو كنتم تسمعونني… خذوني معكم».
لم يجبها أحد.
لكنها سمعت وقع خطوات.
رفعت رأسها مذعورة، ظنت أن خالتها لحقت بها.
لكن الذي ظهر لم يكن امرأة غاضبة، بل فتى.
نحيل، مغبرّ، يرتدي حذاءً متهالكًا، وعيناه… كان فيهما شيء مألوف، شيء يشبه الوحدة.
توقف على مسافة، وقال بهدوء:
— «البكاء هنا لا يفيد، الجدران لا تسمع».
مسحت ليان دموعها بسرعة:
— «اذهب من هنا».
هزّ رأسه ببطء:
— «أعرف هذا البكاء… يأتي حين
لا يبقى لك أحد».
صمتت.
ثم سألت دون أن تنظر إليه:
— «من أنت؟».
— «اسمي آدم»، قالها ببساطة. «وأنتِ؟»
— «لا يهم».
جلس على الأرض، ليس قريبًا جدًا، لكن ليس بعيدًا أيضًا.
وأخرج من جيبه قطعة خبز صغيرة، ناولها لها دون تعليق.
— «كُلِي».
— «لا أريد».
— «لكن جسدك يريد».
ترددت… ثم أخذتها.
كانت أول مرة تأكل دون خوف منذ زمن.
تحدثا قليلًا، وصمتا كثيرًا.
وعندما حلّ الظلام، شعرت ليان بشيء غريب…
لم يكن فرحًا.
كان فقط… أقل وجعًا.
في الليلة التالية، خرجت مرة أخرى.
وكان آدم هناك.
ومن تلك الليلة، صار المكان موعدًا غير معلن لطفلين لم يجد لهما العالم مكانًا آخر.
لم تكن تعلم ليان أن هذا الفتى، الذي بدا كمنقذ،
كان أول باب سيفتح على كابوس طويل.
لكنها، في تلك اللحظة، لم تكن تبحث عن الحقيقة…
كانت تبحث فقط عن يد لا تتركها.
لم تفهم ليان متى تحوّل اللقاء خلف الحاويات من صدفة إلى ضرورة.
كل ما عرفته أن اليوم الذي لا ترى فيه آدم كان أثقل من باقي الأيام، وأن الليل صار أطول حين لا تجده جالسًا هناك، يعبث بحجر صغير أو يحدّق في الفراغ.
كانت تعمل طوال النهار، جسدها يتحرك بعادةٍ صامتة، وعقلها في مكان آخر.
وحين تتوقف للحظة، يمر وجه واحد في ذهنها…
وجه الفتى النحيل الذي لا يملك شيئًا، ومع ذلك يترك لها آخر ما يملك.
في إحدى الليالي، وجدته ينتظرها وفي يده شيء مختلف.
دفتر قديم، متسخ،
غلافه ممزق، وأطرافه مأكولة.
وضعه في حجرها دون شرح.
— «وجدته مرميًا… لا أحد يحتاجه».
لمست ليان الدفتر بتردد، كأنها تمسك شيئًا ثمينًا لا يحق لها امتلاكه.
— «ولماذا أعطيتَه لي؟»
— «لأنك تنظرين إلى الأرض كثيرًا… والكتابة ترفع الرأس قليلًا».
فتحت الصفحة الأولى.
بيضاء.
صامتة.
تنتظر.
— «ماذا أكتب؟»
ابتسم آدم ابتسامة خفيفة، وقال:
— «اكتبي ما لا تستطيعين قوله… الورق لا يضرب ولا يصرخ».
ومنذ تلك الليلة، صارت ليان تكتب.
عن والديها.
عن الخوف.
عن الجوع.
عن ليالٍ كانت تتمنى ألا تستيقظ بعدها.
كان آدم يجلس إلى جوارها، أحيانًا صامتًا، وأحيانًا يتحدث عن أشياء مبهمة؛
أماكن نام فيها، وجوه نسي أسماءها، شوارع لا يعود إليها.
لم يسألها يومًا عن خالتها.
ولم تحكِ له الكثير.
بعض الآلام تُحكى بالسكوت.
شيئًا فشيئًا، صار هو الشخص الوحيد الذي تنتظره.
والوحيد الذي تخاف أن تخسره.
وفي ليلة تأخر فيها…
لأول مرة…
شعرت ليان بذعر حقيقي.
انتظرت.
ثم بحثت.
ثم ركضت.
وجدته خلف كشك مهجور، ممددًا على الأرض.
وجهه متورم.
شفتاه داميتان.
وأنفاسه متقطعة.
سقطت على ركبتيها قربه.
— «آدم! من فعل هذا؟»
فتح عينًا واحدة، وقال بصوت مكسور:
— «شبان الحي… قالوا إنني أسرق».
— «لماذا لم تهرب؟»
نظر إليها طويلًا، ثم قال بهدوء أوجعها:
— «كنت أنتظرك».
توقفت أنفاسها.
شعرت بثقل الكلمات يسحق صدرها.
وضعت
رأسه في حجرها، ومسحت الدم عن وجهه بطرف وشاحها.
وفي تلك اللحظة، فهمت شيئًا أخافها.
لم تعد فقط تحبه…
كانت تحتاجه.
والحاجة… أخطر من الحب.

تم نسخ الرابط