تحدث رجل بالعربية فجاء رد عاملة النظافة على نحو أذهل الجميع

لمحة نيوز

الصاخبة تترك وراءها فراغا وأن الطمأنينة الحقيقية تأتي بلا ضجيج. لذلك حين استيقظت صباح اليوم الأخير لها في الفندق لم تشعر بالنشوة بل بسكون غريب كأن قلبها جلس أخيرا في مكانه الصحيح.
دخلت المبنى للمرة الأخيرة من الباب الخلفي. لم تحمل عربة التنظيف هذه المرة فقط حقيبة صغيرة بداخلها أشياء بسيطة دفتر قديم صورة لمازن وهو طفل وقلم حبر أزرق احتفظت به من زمن بعيد. مرت بالممرات التي حفظت تفاصيلها أكثر مما حفظت ملامح بعض البشر. الرخام نفسه الأبواب نفسها لكن شيئا ما تغير هي.
بعض الزملاء حيوها بحرارة خجولة آخرون اكتفوا بنظرة سريعة. لم تلم أحدا. تعرف أن الأماكن الكبيرة لا تحب التغييرات ولا تصفق لمن يخرج من الصف.
في قاعة صغيرة قرب الردهة كان الشيخ سلمان ينتظرها. لا حرس لا رسميات. جلس بهدوء وعلى الطاولة ملف جلدي مغلق.
اليوم نغلق صفحة قال وهو يشير للكرسي. ونفتح
غيرها.
جلست نورة ووضعت يديها في حجرها. لم تكن خائفة. الخوف كان قد استهلك كله في السنوات الماضية.
فتح الملف. أوراق مرتبة خطط تواريخ أسماء مكتبات ومراكز ثقافية. شرح المشروع بتأن أرشفة مخطوطات تدريب فرق شابة إنشاء جسر بين النص القديم والقارئ الجديد. لم يكن مشروعا استعراضيا بل عملا طويل النفس.
أبيك تكونين مشرفة لا مجرد مترجمة قال وهو ينظر إليها مباشرة. خبرتك ما هي لغة بس هي ذاكرة.
هزت رأسها ببطء.
أعرف ثقل الأمانة ردت. وما راح أقبل إلا إذا اشتغلت بضمير.
ابتسم.
وهذا سبب اختياري لك.
خرجت من القاعة وهي تشعر بأن الخطوة التي أخافتها يوما صارت أرضا ثابتة تحت قدميها.
في المساء جلست مع مازن في البيت الصغير الذي سيغادرانه قريبا. الصناديق بدأت تملأ الزوايا. كان يطوي ملابسه بحماس غير معتاد.
ماما قال فجأة
نعم
هناك هل أقدر أكون نفسي
سؤال بسيط لكنه أصابها في
القلب. جلست بجانبه.
هناك ما راح تحتاج تختفي قالت بهدوء. ولا أنا.
ابتسم. تلك الابتسامة وحدها كانت كافية لتطمئنها أن القرار لم يكن أنانيا.
مرت الأسابيع بسرعة. وداع المدرسة توديع الجيران رسائل قصيرة من زملاء لم تتوقع منهم شيئا. وفي يوم السفر وقفت نورة في المطار تشاهد مازن وهو يحمل حقيبته بثقة أكبر من عمره.
حين أقلعت الطائرة نظرت من النافذة. المدينة صغرت الأضواء تداخلت ولم تشعر بوخز الفقد. بعض الأماكن لا نغادرها نحن فقط ننهي دورنا فيها.
بعد أشهر في مدينة دافئة الضوء كانت نورة تدخل مبنى المركز الثقافي الجديد. جدران بيضاء رائحة ورق قديم أصوات هادئة. سلمت على الفريق جلست إلى مكتبها فتحت مخطوطة بعناية. لمست الحبر كما لو كانت تصافح زمنا آخر.
مازن في الجهة الأخرى من القاعة كان يناقش شابا في معنى كلمة عربية صعبة. أخطأ صحح ضحك. راقبته نورة من بعيد وشعرت
بفخر هادئ. لم تعد تخاف عليه من العالم لأنها لم تعد تخاف من نفسها فيه.
في أحد الأيام زارتهم المديرة السابقة للفندق ضمن وفد رسمي. توقفت عند نورة ترددت لحظة ثم قالت بابتسامة رسمية
لم أتوقع أن تمضي الأمور هكذا.
ردت نورة بهدوء
ولا أنا لكن يبدو أن بعض الطرق تختارنا.
لم يكن في صوتها انتصار فقط سلام.
في المساء عادت إلى البيت. جلست في الشرفة كوب شاي بالنعناع بين يديها. الهواء دافئ والمدينة هادئة. أخرجت الدفتر القديم قلبت صفحاته ثم أغلقت عليه برفق.
لم تعد تحتاجه كملجأ. صار مجرد شاهد.
فكرت في كل السنوات التي مشت فيها ملتصقة بالجدار في الكلمات التي خبأتها في اللغة التي صارت سرا. أدركت أخيرا أن الخفاء لم يكن ضعفا بل تدريبا.
رفعت رأسها إلى السماء وتنفست بعمق.
للمرة الأولى لم تكن عاملة نظافة غير مرئية ولا مترجمة طارئة ولا ظلا في ممر.
كانت امرأة اختارت مكانها
ومشت إليه علنا.
وهذا كان كافيا.

تم نسخ الرابط