توقّف عند إشارة مرور فغيّر حياة أمّ وطفلٍ وأنقذ نفسه

لمحة نيوز

يحترق 
منذ متى وأنت على هذه الحال
قالت وهي تحاول التقاط أنفاسها 
منذ أيام بدأ بسعال ثم حمى.
توقفت لحظة ثم أضافت بصوت خافت 
ليس لدي تأمين فقدت عملي وبقينا بلا بيت.
قاطعها سعال شديد ورأى دييغو أثر دم على يدها.
عندها انقلبت الحقيقة إلى شيء فادح.
هذه ليست قصة حزينة تروى بل حياة معلقة بخيط.
جاء صوت صفارات الإسعاف كأنه معجزة اخترقت ضيق الزقاق.
دخل المسعفون بسرعة وضعوا لها قناع الأكسجين قاسوا العلامات الحيوية.
تمتم أحدهم 
نسبة الأكسجين ثمانية وسبعون.
وقال آخر وهو يعبس 
التهاب رئوي بكتيري شديد. حالتها خطيرة جدا. إن لم ننقلها الآن فقد لا تنجو.
تشبث ماتيو بدييغو كما لو أنه العمود الوحيد الثابت وسط زلزال.
رفع عينيه المذعورتين وقال 
يا سيدي أمي ستموت
جثا دييغو أمامه وحدق في عينيه مباشرة.
لا يا بطل. أمك قوية. الأطباء سيساعدونها.
ثم أضاف بصوت أهدأ 
لكن أحتاج أن تثق بي اتفقنا
هز ماتيو رأسه ببطء وهو يمسك بسيارته الزرقاء كأنها درع.
أخرج المسعفون النقالة. أوقفهم دييغو لحظة وقال بحزم 
سأذهب معها والطفل أيضا.
نظر إليه أحدهم وهو يتفحص بدلته المكلفة 
هل أنت قريبها
ابتلع دييغو ريقه ثم قال كذبة
بدت بطريقة غريبة أكثر صدقا من كثير من الحقائق 
نعم. أنا أخوها.
ركبوا سيارة الإسعاف.
جلس ماتيو قرب أمه عيناه لا تفارقان وجهها ويده الصغيرة لا تزال تقبض على لعبته.
ومع عواء الصفارة ومع انشقاق الطريق بالقوة شعر دييغو لأول مرة منذ سنوات بشيء يشبه القصد.
وعد صامت تشكل في داخله 
لن يتركهما.
مهما كان الثمن.
في المستشفى العام كانت الحقيقة أبرد.
رائحة المعقمات الممرات الطويلة الوجوه المنهكة صرخات بعيدة وأبواب تفتح وتغلق كأنها أفواه تبتلع الانتظار.
أدخلت فاليريا إلى الطوارئ ثم إلى العناية المركزة.
وبقي ماتيو في غرفة الانتظار متكورا على كرسي بلاستيكي يرتجف من البرد والخوف.
خلع دييغو سترته وألبسها له ثم أحضر له حليبا دافئا وقطعة خبز محلاة.
أكل الطفل بنهم كأن الجوع أيضا حالة طارئة.
وكان كل بضع دقائق يرفع عينيه نحو الباب.
همس 
ماذا لو لم تخرج
شعر دييغو أن العالم يضيق حوله.
كانت مكالمات مساعده تتوالى على الهاتف رسائل الاجتماع غضب المستثمرين الأسئلة المعتادة أين أنت
في أي يوم آخر لكان هذا هو ذعره.
أما في ذلك اليوم
فكان ذعره شيئا مختلفا تماما 
أن يبقى طفل في الخامسة بلا أمه.
خرج طبيب الرئة أخيرا.
لم يحمل وجهه أخبارا
مطمئنة.
قال 
حالتها خطيرة لكنها مستقرة مؤقتا. الأربع والعشرون ساعة القادمة حاسمة.
أومأ دييغو بصمت.
وفي صدره سؤال يحترق 
كم من الناس يرقدون خلف هذه الأبواب بلا دييغو يتظاهر بأنه أخ
كم من فاليريا تختفي لأن أحدا لم يتوقف
كم من طفل يشبه ماتيو يعود إلى الظلمة وهو يجر لعبته الزرقاء
غلب النعاس ماتيو فنام مسندا رأسه إلى ذراع دييغو.
وفي ذلك الصمت لمح دييغو حقيبة الطفل الصغيرة. فتحها بحذر.
وجد ورقة مطوية بخربشات طفولية 
أمي أنت الأفضل.
أرجوك لا تموتي أبدا.
هشمت تلك الجملة شيئا عميقا في داخله.
حدق في الورقة طويلا كأنه يرى نفسه لأول مرة في مرآة لا تكذب.
في صباح اليوم التالي فتحت فاليريا عينيها.
كانت لا تزال موصولة بالأنبوب لكنها تتنفس أفضل قليلا.
عيناها كانتا تبحثان بقلق.
همست 
أين ابني
اقترب دييغو ببطء.
بخير. لم أتركه لحظة ولن أتركه.
انفجرت بالبكاء.
بكاء جسد يفرغ خوفا محبوسا منذ زمن.
وفي عينيها رأى دييغو ما هو أعمق من الامتنان
رأى دهشة من أن أحدا بقي.
مرت الأيام التالية كجسر هش نحو الحياة.
دفع دييغو ثمن الأدوية جلب البطانيات تحدث مع الإدارة واستأجر غرفة متواضعة قريبة من المستشفى ليكون لهم مكان يعودون إليه.
كان
يأتي يوميا ومعه خبز حلو حليب فاكهة وملابس نظيفة لماتيو.
لم تكن صدقة متباهية
بل إصلاحا صامتا كأن كل حركة اعتذار عن سنوات من اللامبالاة.
وحين استطاعت فاليريا أن تمشي دون أن يدوخها المكان خرج بها من المستشفى وماتيو على كتفه.
في الشقة البسيطة كان هناك سرير نظيف طاولة صغيرة وثلاجة فيها طعام.
لا شيء فاخر
لكنه بالنسبة لهما كان فجرا جديدا.
نظرت فاليريا إليه والدموع قريبة.
لماذا تفعل هذا نحن لا نعرفك لسنا أحدا بالنسبة لك.
خفض دييغو بصره لحظة ثم قال 
أحيانا تضعك الحياة أمام شخص يذكرك من أنت أو من ينبغي أن تكون.
ومع الوقت عادت فاليريا إلى العمل وعاد ماتيو إلى المدرسة وعاد شيء مفقود إلى قلب دييغو.
لم يعد يقيس الأيام بعدد الاجتماعات بل بعدد اللحظات التي شعر فيها أنه حي.
بعد أشهر تبنى دييغو ماتيو رسميا.
ثم تزوج فاليريا في حفل بسيط صادق بلا بهرجة.
وأسسوا معا مؤسسة إشارة الأمل لأن كل شيء بدأ عند إشارة مرور.
وفي ليلة هادئة بعد سنوات سأل ماتيو 
أبي هل ندمت يوما لأنك توقفت في ذلك اليوم
ابتسم دييغو وقال بهدوء 
إن كان هناك شيء أندم عليه فهو أنني لم أتوقف قبل ذلك بسنوات.
ثم أضاف وهو ينظر إلى السماء 
البطولة لا تحدث دائما
في الكوارث الكبيرة
أحيانا تحدث عند إشارة مرور
حين يفتح إنسان نافذته بدل أن يغلقها
ويختار أن يصغي.

تم نسخ الرابط