توقّف عند إشارة مرور… فغيّر حياة أمّ وطفلٍ وأنقذ نفسه
كانت أمي تحتضر
كانت أمي تحتضر أرجوكم ساعدوني.
لم تكن الجملة صرخة عالية تشق الشارع بل خرجت مكسورة واهنة كأنها خجلانة من نفسها.
قالها طفل لم يتجاوز الخامسة واقفا عند نافذة سيارة فارهة توقفت عند إشارة مرور في أحد شوارع جدة الرئيسية.
كان وجهه مغبرا وعيناه واسعتين على غير سنه ممتلئتين بذعر لا يعرف كيف يخفى ويداه الصغيرتان تضمان لعبة سيارة زرقاء باهتة كأنها الشيء الوحيد الذي ما زال يربطه بالعالم.
داخل السيارة جلس سالم بن ناصر القحطاني خلف المقود.
في السابعة والثلاثين ببدلته الأنيقة وساعته اللامعة ونظراته التي اعتادت أن تمر على الناس دون أن تتوقف.
كان سالم واحدا من أولئك الرجال الذين تعلموا كيف يرون الزحام بلا وجوه وكيف يسمعون الضجيج بلا أصوات.
مدينة كاملة تمر من حوله كل يوم وهو يعبرها كما يعبر ممرا زجاجيا لا شيء يلمسه.
لكن تلك الجملة لم تمر.
لم تكن عينا الطفل تطلبان مالا ولا تشبهان عيون المتسولين الذين اعتاد سالم تجاهلهم عند الإشارات.
كان فيهما شيء آخر
استغاثة خالصة خام بلا حسابات.
أمي ما تقدر تتنفس
قالها الطفل وهو يبتلع بكاءه.
حرارتها نار وأنا خايف خايف تموت.
شعر سالم بشيء ينقبض في صدره.
إحساس غريب حاد لم يعتده منذ سنوات طويلة.
ألم
لا
كان
حاول أن يصرف نظره أن يعيد تركيزه إلى هاتفه الموضوع على المقعد المجاور.
رسائل متتالية من مساعده
الاجتماع بدأ.
الشركاء ينتظرون.
وينك
كان اليوم مزدحما.
عقد مهم صفقة جديدة توسع لشركته الغذائية التي أصبحت خلال سنوات قليلة واحدة من أكبر العلامات في المنطقة.
الصحف تلقبه ب رجل النجاح الهادئ.
الناس يرونه مثالا للرجل الذي صنع نفسه بنفسه.
لكن لا أحد يرى ما خلف الهدوء.
منذ وفاة والديه في حادث طريق قبل خمسة عشر عاما تعلم سالم أن يعيش بسرعة.
أن يملأ الفراغ بالعمل والوجع بالإنجاز والوحدة بالانشغال.
كبر وهو يظن أن التوقف خطر وأن الشعور ضعف وأن الرحمة باب إن فتحه لن يستطيع إغلاقه.
دق الطفل على الزجاج مرة أخرى.
هذه المرة أخف كأنه يخشى أن يطرد.
أنزل سالم النافذة.
اندفع صوت الشارع دفعة واحدة
أبواق محركات أصوات بائعين رائحة عوادم وحر الشمس.
وكان الطفل واقفا هناك يرتجف.
اسمك
سأل سالم ففاجأه دفء صوته.
مازن اسمي مازن.
قالها الطفل بسرعة ثم أضاف
أمي في الزقاق اللي ورا ما قامت من الصبح أرجوك.
تحولت الإشارة إلى اللون الأخضر.
تحركت السيارات.
ارتفعت الأصوات من الخلف.
في لحظة لم يفكر فيها كثيرا شغل
ركع أمام الطفل غير آبه بنظرات السائقين ولا بهتافهم.
بدلته النظيفة لامست إسفلت الشارع.
ومازن بقميصه الممزق وحذائه غير المتطابق وقف أمامه مذهولا.
اسمعني زين يا مازن.
قال سالم وهو يضع يديه على كتفيه.
أنا معك. بس لازم توريني وين أمك.
حدق الطفل فيه بعينين مليئتين بالشك والأمل معا.
صدق بتساعدنا
أومأ سالم.
أعدك.
وفي تلك اللحظة دون أن يدرك كان سالم يعبر حدا لم يعبره منذ زمن طويل.
لم يكن ذاهبا لإنقاذ امرأة مريضة فقط
كان يفتح بابا أغلقه في نفسه عمدا.
ركض مازن وسالم خلفه تاركا سيارته الفاخرة خلفه ومتخليا لأول مرة عن موعد ظن يوما أن حياته كلها مرهونة به.
دخلوا زقاقا ضيقا بين عمارات قديمة.
الجدران متشققة الأرض رطبة والروائح ثقيلة.
شعر سالم بغصة.
ليس لأن المكان قاس
بل لأنه مر قربه مئات المرات دون أن يراه.
أشار مازن بيده
هنا أمي هنا.
كانت خيمة مرتجلة من أقمشة وكرتون.
انحنى سالم ودخل.
الحرارة خانقة.
المكان ضيق مظلم وعلى الأرض فراش رث ترقد عليه امرأة شابة جسدها يتصبب عرقا وأنفاسها متقطعة وملامحها شاحبة على نحو مخيف.
خالتي تسمعيني
قال سالم وهو يقترب.
فتحت عينيها بصعوبة.
سعلت سعالا عميقا رطبا
ذلك الصوت
كان يعرفه.
سمعه من قبل يوم مرضت أمه قبل وفاتها.
من
همست.
هذا الرجال قال بيساعدنا
قال مازن وهو يمسك يدها.
قلت لك ما بخليك.
نظرت إليه ودمعة ثقيلة انزلقت على خدها.
قلت لك لا تطلع
أخرج سالم هاتفه واتصل بالإسعاف.
وهو يتكلم شعر بنبرة مختلفة في صوته.
ثابتة. واضحة.
كأنه يعرف تماما ما يجب فعله.
أنهى الاتصال ثم خلع سترته ووضعها فوق المرأة.
اسمك
سألها.
نورة نورة العبدالله.
قالت بصوت متقطع.
إذا صار لي شيء انتبه لولدي
قاطعها سالم بهدوء حازم
لا تقولين كذا. بتقومين بالسلامة. الإسعاف بالطريق.
كان مازن قد تمدد بجوارها يربت على خدها الصغير بيد مرتجفة.
منظر جعل شيئا ينكسر داخل سالم بلا صوت.
شعر بعقدة في حلقه وبغضب مر في داخله.
غضب على العالم
على نفسه
على ذلك الترف الذي يسمح للإنسان أن يعتاد المرور دون أن يرى.
وصل صوت صفارة الإسعاف كأنه شق الهواء شقا.
لم يكن مجرد صوت بل إعلان بأن الزمن لم يعد يحتمل التأجيل.
دخل المسعفون الزقاق بخطوات سريعة مدروسة وكأنهم يعرفون أن كل ثانية هنا لها ثمن.
وضع قناع الأكسجين على وجه نورة رفعت بحذر على النقالة وانشغلوا بقياس النبض ونسبة الأكسجين.
الأكسجين منخفض
قال أحدهم وهو يدون الأرقام.
حالتها خطيرة.
تجمد مازن مكانه.
نظر إلى أمه ثم إلى سالم ثم عاد إليها كأن عقله الصغير يحاول أن يفهم ما يجري