توقّف عند إشارة مرور… فغيّر حياة أمّ وطفلٍ وأنقذ نفسه
دون أن ينهار.
ماما
قالها بصوت خافت بالكاد يسمع.
اقترب سالم منه ووضع يده على كتفه.
بتطلع الإسعاف معها وأنا معكم. ما راح نتركها.
حين حاول أحد المسعفين منعه سأله
أنت قريبها
لم يتردد سالم.
أخوها.
خرجت الكلمة من فمه بثبات غريب وكأنها لم تكن كذبا خالصا بل نية صادقة تلبست شكل الحقيقة.
داخل سيارة الإسعاف جلس مازن قرب رأس أمه ممسكا بلعبته الزرقاء يراقب صدرها وهو يعلو ويهبط بصعوبة.
أما سالم فجلس مقابلهم وعيناه لا تفارق المشهد.
مع انطلاق السيارة ومع الطريق الذي ينفتح بالقوة أمامها شعر سالم لأول مرة منذ سنوات أن قلبه لا يركض بل يسير في اتجاه واضح.
في المستشفى الحكومي اصطدموا بعالم آخر.
ممرات طويلة إضاءة بيضاء قاسية أصوات أجهزة مرضى على كراس متحركة ووجوه تحمل التعب أكثر مما تحمل الأمل.
أدخلت نورة إلى الطوارئ ثم إلى العناية المركزة.
أغلق الباب.
وبقي سالم ومازن في الخارج.
جلس مازن على كرسي بلاستيكي قدماه
بعد دقائق بدأ جسده الصغير يرتجف.
خلع سالم ساعته ووضعها في جيبه ثم خلع سترته وألبسها للطفل.
ذهب وأحضر له كوب حليب دافئ وقطعة خبز.
اشرب شوي
قال له بهدوء.
أمسك مازن الكوب بكلتا يديه وشرب ببطء.
ثم رفع عينيه فجأة
إذا ما طلعت
لم يكمل.
لكن سالم فهم.
جلس بجانبه على نفس المستوى وقال
أمك قوية. ويمكن أقوى مما تتصور.
ثم أضاف بصوت منخفض
وأنا معك مهما صار.
رن هاتف سالم.
مرة مرتين عشرات المرات.
رسائل مكالمات اعتذارات جاهزة تتشكل في ذهنه تلقائيا.
لكنه هذه المرة لم يرد.
أغلق الهاتف ووضعه مقلوبا.
خرج الطبيب بعد وقت بدا أطول من اللازم.
ملامحه متعبة لكن صوته متماسك.
الحالة حرجة
قال.
التهاب رئوي حاد وتأخر في العلاج.
ثم تابع
تجاوزنا المرحلة الأولى لكن الأربع والعشرين ساعة القادمة حاسمة.
أومأ سالم وهو يشعر بثقل الكلمة الأخيرة.
حاسمة.
نام مازن من شدة الإرهاق رأسه
وفي هدوء غرفة الانتظار لمح سالم حقيبة الطفل الصغيرة.
فتحها بحذر.
لم يجد ألعابا إضافية.
ولا ملابس.
فقط ورقة مطوية بعناية.
فتحها.
ماما
أنا بحاول أكون شجاع
بس إذا رحت أنا بخاف
لا تتركيني
ارتجف شيء في صدره.
شعر كأن الكلمات لا تخص الطفل وحده
كأنها مكتوبة له هو.
مع الفجر بدأت المؤشرات تتحسن ببطء.
وحين فتحت نورة عينيها كانت أول كلمة همست بها
مازن
كان سالم هناك.
هو بخير. نايم. وأنا معاه.
بكت نورة بصمت.
بكاء ممتلئ بالخوف الذي خرج أخيرا.
مرت الأيام التالية ثقيلة لكن ثابتة.
سالم تكفل بكل شيء
الأدوية الإجراءات الأوراق وحتى إيجاد غرفة صغيرة قريبة من المستشفى.
حين خرجت نورة أخيرا ضعيفة لكن حية كان مازن يقفز حولها كأنه لا يصدق.
في الغرفة المتواضعة جلسوا لأول مرة بلا أجهزة بلا صفارات.
مجرد بشر.
ليش تسوي كل هذا
سألت نورة بصوت خافت.
ما نعرفك.
تنهد سالم.
لأنني شفت نفسي في خوف ولدك
لم يكن الكلام كبيرا لكنه كان صادقا.
مع الوقت عادت نورة للعمل في مطبخ أحد مطاعمه.
لم تكن ماهرة فقط بل حنونة حاضرة تصنع من التعب دفئا.
عاد مازن إلى المدرسة.
صار يضحك أكثر.
يركض أكثر.
ويرسم دائما ثلاثة أشخاص يمسكون بأيدي بعضهم.
بعد شهور جلس سالم أمام موظف الشؤون القانونية ووقع أوراق التبني.
مازن لم يفهم التفاصيل لكنه فهم شيئا واحدا.
يعني بتصير دايم معي
سأل.
دايم
قال سالم.
تزوج سالم ونورة في حفل بسيط.
لا ضجيج لا بهرجة.
فقط ناس صادقون وطفل يحمل الخواتم بجدية مضحكة.
أسسوا لاحقا مبادرة سموها عند الإشارة.
لمساعدة الأمهات الوحيدات والأطفال الذين لا يسمعهم أحد.
وفي ليلة هادئة بعد سنوات سأل مازن
بابا لو رجع فيك الزمن كنت بتوقف
ابتسم سالم ونظر إلى السماء.
ما أندم إلا على شيء واحد
إني ما توقفت قبل.
شدت نورة يده وقالت
أنقذت حياتنا.
فأجابها بهدوء
وأنتم أنقذتم حياتي.
لأن الحقيقة
أن البطولة لا تحتاج منصة
ولا تصفيق
أحيانا تحتاج فقط
أن تتوقف
وتفتح نافذتك
وتصغي.