من مجنّدة يُسخر منها إلى كابوس دمّر مستقبل قائد عسكري
لا بد أنه أصابك الفضول لتعرف ما الذي جرى حقا مع صوفيا غوميز ولماذا تمكن وشم واحد فقط من تجميد الدم في عروق القائد المرعب فيغا. استعد لأن الحقيقة أكثر صدمة وأعلى كلفة مما قد تتخيل.
كانت شمس الصباح تضرب ساحة التدريب المفتوحة فتثير غيوما من الغبار ذي اللون المغبر تلتصق بالعرق وبالأزياء العسكرية الخضراء. كان ذلك اليوم هو اليوم السابع والأربعون من التدريب الأساسي.
بالنسبة للمجندة صوفيا غوميز لم يكن يوم واحد يمر دون أن يكون عذابا جسديا ونفسيا على نحو أشد قسوة. لم تكن رياضية البنية ولم تكن سريعة الحركة وكانت خطواتها متيبسة أما نظرتها رغم ما فيها من تصميم فكانت تبدو دائما وكأنها على وشك الانكسار.
كانت الهدف الأسهل.
القائد فيغا رجل ضخم الجسد صقلته سنوات طويلة من الانضباط الحديدي كان يكن لها كراهية تكاد تكون شخصية كأن وجودها بحد ذاته إهانة له.
كان صوته الخشن يجلجل في ساحة التدريب وهو يصرخ
غوميز! تبدين كحمار يحاول التزلج على الجليد! تحركي أيتها العاجزة!
ضحك باقي المجندين أولئك الشبان الذين قستهم الطموحات والخوف. كان ضحكهم مشوبا بالارتياح فطالما أن فيغا يصب غضبه على صوفيا فهم في مأمن.
في ذلك الصباح كان التمرين هو الرماية ببندقية هجومية. أخطأت صوفيا الهدف ثلاث مرات متتالية وكانت الطلقات تنحرف أمتارا
بلغ غضب فيغا حد الغليان. تغير لون وجهه إلى أحمر داكن يميل إلى البنفسجي.
زأر بصوت هادر
كفى! الكتيبة كلها انتباه!
في لحظة واحدة انتصب مئتا رجل وامرأة في وضع الاستعداد.
ساد صمت ثقيل كثيف إلى حد أن طنين الحشرات في الهواء الحار صار مسموعا بوضوح.
بدأ فيغا يسير ببطء نحو صوفيا خطوة بعد خطوة إلى أن توقف على بعد سنتيمترات قليلة من وجهها.
كانت ثابتة في مكانها. يداها ترتجفان قليلا إلى جانبيها. عيناها الزرقاوان العميقتان ظلتا معلقتين بالأفق رافضتين أن تنظر إلى موجة الغضب التي توشك أن تبتلعها.
قال فيغا بصوت منخفض وخطير
غوميز أنت عبء. خطأ إداري. إهانة لهذا الجيش وإهانة للرجال الذين ماتوا دفاعا عن هذه البلاد.
لم تجب. كانت تعلم أن أي كلمة ستجعل الوضع أسوأ.
قال وهو يستدير نحو الكتيبة
اليوم يلقن الانضباط أمام الجميع. أريدكم أن تروا ماذا يحدث عندما يتنكر الضعف وعدم الكفاءة في زي جندي.
ثم عاد بنظره إليها وفي عينيه خبث واضح
اخلعي هذا القميص المبتل القذر غوميز. أريد أن أفتش كل غرام من العار الذي تحملينه. الآن!
كان الأمر صادما. إذلالا فاضحا يتجاوز كل الحدود حتى وفق معايير فيغا نفسه.
ترددت صوفيا.
ثانية واحدة فقط.
رمشة عين.
كانت تشعر بنظرات جميع المجندين مغروسة فيها خليطا من الشفقة والسخرية.
أخذت
فكت أزرار زيها المموه ثم نزعت ببطء القميص الداخلي المبتل بالعرق.
سكن المكان سكونا تاما.
لم يكن جسد صوفيا جسد رياضية محترفة كان نحيلا وعضلاته بالكاد رسمها التدريب القاسي.
لكن الذي حبس أنفاس الجميع لم يكن جسدها.
كان ما ظهر على لوح كتفها الأيسر.
لم يكن ندبة حرب ولا عبارة تحفيزية.
كان وشما معقدا محفورا بحبر أسود وذهبي يمثل درعا محددا بدقة نسرا ذا رأسين يعلوه إكليل من الغار وتتوسطه نجمة ذات سبع نقاط.
رمز لم يره معظم المجندين في حياتهم.
لكن القائد فيغا رآه.
كان قد تقدم خطوتين ليواصل الصراخ ثم توقف فجأة وكأن أحدا قد شل جسده.
انغرست عيناه في الوشم.
في لحظة واحدة بدا وكأن الدم قد انسحب من وجهه تاركا شحوبا رماديا تحت بشرته التي لفحتها الشمس.
النسر ذو الرأسين.
الشعار غير الرسمي لمجلس مؤسسي القيادة العليا.
رمز لا يحمله إلا أولئك المرتبطون دما أو بتعيين أبدي بالعائلات التي صاغت الهيكل القانوني والعسكري للدولة قبل أكثر من قرن.
ابنة جنرال
لا أكثر من ذلك بكثير.
شعر فيغا بقشعريرة باردة تجتاح جسده قشعريرة لا علاقة لها بحرارة الطقس.
راحت ذاكرته تستعرض بسرعة كل ملفات التجنيد التي وقعها بيده.
صوفيا غوميز.
اسم عادي.
لا علاقات
لكن الوشم
كان الوشم أشبه بنقش رقم الحساب البنكي للقائد الأعلى مباشرة على الجلد.
اقترب فيغا لكن خطواته كانت بطيئة متعثرة كأن حذاءيه أصبحا فجأة أثقل من أن يحتملا.
تتبعت عيناه خطوط الحبر ثم ارتفعتا ببطء إلى وجه صوفيا.
كانت تنظر إليه بهدوء.
هدوء لم يعد بريئا بل محسوبا.
قالت بصوت منخفض لكن واضح
سيدي القائد لقد طلبت تفتيشا. هل انتهيت
ابتلع فيغا ريقه.
كان الصوت مدويا في الصمت الخانق.
لقد أهان وذل وأمر بتجريد شخص من ملابسه أمام الجميع شخص تعد وفق القواعد غير المكتوبة للسلطة خطا أحمر لا يمس.
بل أكثر من ذلك وريثة محتملة لثروة ونفوذ قادرين على محو مسيرته ومعاشه ومستقبله في لحظة واحدة.
ترنح القائد فيغا.
فتح فمه ليصرخ ليأمر لينقذ ما يمكن إنقاذه لكن ما خرج كان همسا مرتجفا
إلى إلى العيادة. المجندة غوميز توجهي فورا إلى العيادة.
لم تكن مصابة.
لكن الرعب الحقيقي لم يكن في الأمر نفسه بل في الطريقة التي انهار بها فيغا أمام أعين الجميع.
تبخرت هيبته.
استدار نحو الكتيبة وعيناه ممتلئتان بذعر لم يروه فيه قط
الجميع إلى الثكنات! راحة فورية! وأي شخص يتفوه بكلمة عما رآه هنا أقسم بالله أن أدفنه حيا!
تفرق الجميع في صمت مدو تاركين فيغا وحيدا يحدق في الغبار مدركا أن حياته قد تحطمت لأنه استهان بفتاة.
لم يكن ذعر القائد