من مجنّدة يُسخر منها إلى كابوس دمّر مستقبل قائد عسكري

لمحة نيوز

الأساسي فقط. أما بقية العقوبات فستظل قائمة دون تغيير.
في تلك اللحظة لم يشعر فيغا بالنجاة بل بشيء أقسى. لم يكن فقدان كل شيء هو الأسوأ بل أن ينقذ جزئيا على يد من أذله. ذلك العفو المحدود كان أثقل عليه من أي حكم كامل.
أطلق سراحه. تراجعت أيدي الحراس عنه ببرود وكأنهم يرفعون عن رجل عبئا لم يعد يستحق القيود.
حاول أن يقف لكن جسده لم يطاوعه فورا. بدا وكأن سنوات الخدمة الثلاثين انهارت فجأة على كتفيه.
رفع رأسه ببطء ونظر إلى صوفيا. لم يكن في عينيه غضب ولا تمرد بل خليط مربك من الخجل والانكسار والندم المتأخر. حاول أن ينطق باسمها أن يقول
شيئا أي شيء لكن الكلمات خانته.
اكتفى بتحية عسكرية غير متقنة يد مرتجفة ظهر منحني وهيبة مكسورة. ثم استدار ومضى خطواته بطيئة ثقيلة كأن كل خطوة تبتعد به عن الرجل الذي كانه ذات يوم.
في اليوم التالي استيقظ المعسكر على واقع مختلف.
لم يعد الصراخ هو اللغة السائدة ولم تعد الإهانات وسيلة لإثبات السلطة. كان غياب فيغا حاضرا في كل زاوية. المدربون الجدد كانوا أكثر حذرا أكثر صمتا وكأن ظل ما حدث ما زال يراقبهم.
استمرت صوفيا في تدريبها كما لو أن شيئا لم يتغير لكن كل شيء كان قد تغير. النظرات التي كانت تحمل سخرية أو شفقة صارت نظرات احترام صامت
وأحيانا خوفا مكتوما. لم تعد المجندة الضعيفة بل صارت معيارا غير معلن لما لا يجب تجاوزه.
لم تكن الأولى في الجري ولم تصب الهدف دائما من المرة الأولى لكنها لم تتراجع. كانت تنهض كل صباح قبل صافرة الاستيقاظ تربط حذاءها بهدوء وتخرج إلى الساحة بذات العزيمة التي دخلت بها المعسكر في اليوم الأول.
وحين انتهى التدريب أخيرا لم تحتفل. لم تطلب صورة ولم تنتظر تصفيقا. تقدمت بطلب نقل رسمي إلى وحدة لوجستية خارج البلاد بعيدا عن المراكز القيادية وبعيدا عن اسم عائلتها.
كانت تريد أن تبقى مجرد جندية امرأة تتعلم من العمل لا من النفوذ وتثبت ذاتها
في الظل لا تحت الأضواء.
لقد أثبتت لنفسها ما كانت تبحث عنه منذ البداية أن قيمتها لا تأتي من اسمها ولا من وشمها ولا من ثروة لم تخترها بل من قدرتها على الصمود حين كان الجميع يعتقد أنها ستنكسر.
أما القائد فيغا فبقي في مدينته الصغيرة يتقاضى نصف معاش ويعيش بنصف صورة. لم يعد يستدعى إلى احتفالات ولم يعد يذكر اسمه في الاجتماعات العسكرية. صار مجرد رجل يجلس طويلا أمام نافذته يتذكر ساحة التدريب والغبار وتلك اللحظة التي اختار فيها القسوة بدل الحكمة.
كان يعلم كل يوم أن أكثر الأخطاء كلفة ليست تلك التي ترتكب بدافع الجهل
بل تلك التي ترتكب
بدافع الغرور.

تم نسخ الرابط