من مجنّدة يُسخر منها إلى كابوس

لمحة نيوز

من مجندة يسخر منها إلى كابوس دمر مستقبل قائد عسكري
ساحة الاختبار
لم تكن صوفيا تعرف متى بدأ الخوف يتحول إلى عادة. ربما منذ اليوم الأول حين أغلقت بوابة المعسكر خلفها بصوت معدني حاسم أو ربما قبل ذلك بكثير في اللحظة التي قررت فيها أن تخلع اسمها عن كتفيها وتدخل هنا بلا تاريخ.
كانت ساحة التدريب تمتد أمامها كفم مفتوح يبتلع كل من يخطو إليه دون رحمة. شمس الصباح لم تكن دافئة بل فظة تضرب الأرض بحدة فتنهض الغبار من تحت الأقدام كأنه احتجاج صامت. في ذلك اليوم اليوم السابع والأربعون من التدريب الأساسي بدا الهواء أثقل من المعتاد وكأن شيئا ما يتشكل في الخفاء.
صوفيا غوميز وقفت في صف المجندين كتفاها مشدودان ظهرها مستقيم لكن جسدها لم يكن يقنع أحدا. لم تكن قوية البنية ولا سريعة الاستجابة. عضلاتها كانت تتكون ببطء كأنها تقاوم فكرة التحول نفسها. ومع ذلك كانت عيناها تحملان شيئا لا يخطئه من يعرف القراءة بين السطور إصرار صامت يشبه قرارا لا رجعة فيه.
كانت تعلم أنها تراقب.
ليس لأنها مميزة بل لأنها مختلفة. في معسكر يقدس التشابه يكون الاختلاف خطيئة. خطواتها المتأخرة ترددها البسيط ارتجاف أصابعها حين تمسك السلاح كل ذلك جعلها هدفا سهلا. والأهداف السهلة لا تعيش طويلا دون أن تسحق.
القائد فيغا كان يعرف ذلك جيدا.
رجل ضخم ملامحه منحوتة كصخرة وصوته لا يخرج إلا وهو محمل بالإدانة. كان يقف على منصة المراقبة كقاض ينتظر زلة لا لسبب سوى أن الزلة تذكره بقوته. لم يكن يكره صوفيا لخطأ ارتكبته بل لأنها كانت تذكيرا حيا بما يرفضه الضعف أو ما يظنه ضعفا.
حين بدأ تدريب الرماية شعرت صوفيا بأن الوقت يبطئ. أمسكت البندقية ضغطت

كتفها عليها وأخذت نفسا عميقا. الطلقة الأولى أخطأت الهدف. الثانية ابتعدت أكثر. الثالثة كانت الأسوأ.
لم تسمع الضحك فورا لكنها شعرت به زحفا باردا على ظهرها. ثم جاء الصوت.
غوميز!
كان اسمها ينطق كإهانة. التفتت فرأت فيغا يحدق بها وعيناه تقدحان نارا.
هل تحاولين قتل الهواء أم أنك ببساطة غير صالحة لأي شيء
ضحكات متناثرة خرجت من الصفوف. ضحكات حذرة فيها شفقة أكثر مما فيها مرح. صوفيا لم ترد. تعلمت مبكرا أن الصمت أحيانا أقل كلفة من الدفاع.
لكن فيغا لم يكن يبحث عن رد. كان يبحث عن عرض.
أمر الكتيبة بالانتباه وفي لحظة صار كل شيء جامدا. الصمت الذي تلا كان خانقا حتى إن صوت الريح بدا عاليا. نزل فيغا من منصته وتقدم نحوها ببطء متعمد كأنه يريد لكل خطوة أن تحسب.
وقف أمامها. قريبا جدا.
قال بصوت منخفض لكنه حاد أنت خطأ. وجودك هنا إهانة. للزي الذي ترتدينه وللرجال الذين ماتوا وهم يستحقونه أكثر منك.
لم تتحرك. كانت يداها ترتجفان لكنها ثبتتهما إلى جانبيها. لم تنظر إليه. نظرت إلى نقطة بعيدة كأنها تتشبث بها.
استدار نحو الآخرين وقال اليوم ستتعلمون درسا. الضعف حين يختبئ خلف الشارات يصبح خطرا.
ثم عاد إليها وابتسامة باردة تشق وجهه اخلعي قميصك غوميز. الآن.
لم يفهم البعض المعنى فورا. لكن حين فهموا تبدل الهواء. لم يكن الأمر تدريبا. كان كسرا متعمدا.
ترددت صوفيا. ثانية واحدة فقط. في تلك الثانية مر شريط طويل في ذهنها لماذا جاءت ماذا تريد أن تثبت ولمن
ثم تنفست.
بدأت بفك الأزرار. كل حركة كانت بطيئة محسوبة كأنها تقول للعالم لن أنكسر بسرعة. نزعت القميص الداخلي والعرق يلمع على جلدها.
سكن المكان.
لم يكن جسدها هو ما جذب
الأنظار بل ما كشف على كتفها الأيسر.
وشم.
ليس عاديا. خطوط سوداء وذهبية متشابكة بدقة مقلقة. درع. نسر ذو رأسين. نجمة سباعية تتوسطه. رمز لا يشرح بل يعرف.
فيغا كان أول من فهم.
تقدم خطوة ثم توقف. كأن جسده خان أوامره. اللون انسحب من وجهه وحل محله شحوب ثقيل. حدق في الوشم لا كقائد بل كرجل يرى شبحا يعرفه جيدا.
ذاكرته انفجرت. ملفات أسماء تحذيرات قديمة. ذلك الرمز لم يكن زينة. كان توقيعا. كان هوية لا تكتب على الورق.
رفع نظره ببطء إلى وجه صوفيا.
كانت تنظر إليه بهدوء.
ليس تحديا. ليس خوفا. بل يقينا.
قالت بصوت منخفض ثابت طلبت تفتيشا سيدي. هل انتهيت
الكلمات سقطت كحجر.
في تلك اللحظة لم يعد فيغا قائدا. كان رجلا أدرك متأخرا أنه عبر خطا لا يرى لكنه يدمر.
ولأول مرة منذ سنوات شعر بأن الأرض تحت قدميه ليست صلبة كما ظن.
لم يكن الصمت الذي أعقب كلمات صوفيا صمتا عاديا. كان أشبه بفراغ مفاجئ كأن ساحة التدريب فقدت الهواء دفعة واحدة. المجندون الواقفون في صفوف متراصة لم يجرؤ أحدهم على الحركة لا لأن الأمر صدر بذلك بل لأن شيئا غير مرئي شدهم إلى أماكنهم.
القائد فيغا الذي اعتاد أن يكون الصوت الأعلى وجد نفسه بلا صوت. الكلمات التي كانت تخرج منه كالرصاص علقت في صدره ثقيلة بلا طريق للخروج. نظر إلى الوشم مرة أخرى كأن عقله يرفض الاعتراف بما تراه عيناه.
ذلك الرمز لم يكن يذكر في التعليمات. لم يدرس في الأكاديميات. لكنه كان حاضرا في كل همسة داخل أروقة القيادة العليا. النسر ذو الرأسين لم يكن شعارا كان تحذيرا.
تراجع فيغا نصف خطوة دون أن يشعر. حركة صغيرة لكنها لم تمر دون أن تلاحظ. بعض المجندين التقطوا التغير في ملامحه ذلك
الانكسار الخاطف الذي لم يروه فيه من قبل. السلطة حين تتصدع تصدر صوتا لا يسمع لكنه يحس.
تنحنح فيغا محاولا استعادة السيطرة. إلى العيادة قالها مترددة ثم شد صوته بالقوة المجندة غوميز توجهي فورا إلى العيادة.
لم يكن أمرا. كان انسحابا.
لم تكن صوفيا مصابة لكنها نفذت. التقطت قميصها ارتدته بهدوء وكأن شيئا لم يحدث. حين ابتعدت خطوات قليلة لم تلتفت. لم يكن في الأمر انتصار. كان مجرد انتهاء مرحلة.
بعد دقائق فرغت الساحة. عاد المجندون إلى الثكنات بصمت مرتبك كل واحد منهم يحمل صورة مختلفة لما حدث. بعضهم شعر بالخوف بعضهم بالندم وبعضهم أدرك للمرة الأولى أن القوة ليست دائما حيث تشير الرتب.
أما فيغا فبقي وحده.
دخل مكتبه وأغلق الباب خلفه بإحكام ثم اتكأ على الخشب الثقيل للحظة كأنه يحتاجه كي لا يسقط. كانت يداه ترتجفان. حاول أن يسيطر عليهما لكنه فشل.
جلس خلف مكتبه وبدأ يبحث في ذاكرته. صوفيا غوميز. الاسم لم يكن على أي قائمة سوداء. لا إشارات. لا تحذيرات. لكن ذلك بحد ذاته كان التحذير.
رفع الهاتف واتصل. رقم بعد آخر. أسماء خدم معها ثلاثين عاما. رجال كانوا يدينون له بالولاء. الردود كانت متشابهة لا إجابة خطوط مغلقة رسائل قصيرة باردة.
الصمت مرة أخرى.
لكن هذه المرة كان مقصودا.
فهم الرسالة بوضوح. لم يكن وحده من رأى الوشم. ولم يكن وحده من يعرف معناه. القرار اتخذ قبل أن يغلق الهاتف.
ضرب بقبضته على المكتب لا غضبا بل يأسا. همس لنفسه كيف لم أنتبه
كان يعرف الإجابة. لأنه لم ير فيها سوى مجندة ضعيفة. لأنه اعتاد أن يقيم الناس من مظهرهم لا من جذورهم. الغرور حين يترسخ يعمي.
قطع أفكاره صوت آت من الخارج. صوت مروحية. لم
يكن مألوفا. نهض واتجه إلى النافذة.
كانت المروحية سوداء بلا
تم نسخ الرابط