قصة حقيقية حصلت في العراق

لمحة نيوز

دخلت غرفتي بعد الغداء وألقيت جسدي على السرير وغفوت.
رأيت زوجتي الأولى في المنام. لم تكن تبتسم. كانت ملامحها شاحبة وعيناها مليئتان بالعتاب. قالت لي بصوت حزين
لم تهتم بالأولاد قتلوا طفلينا اهتم بلجين.
استيقظت فزعا وقلبي يخفق بعنف. حاولت النوم مرة أخرى لكني لم أستطع. بقيت أفكر في كلماتها تتردد في رأسي كجرس إنذار.
في الصباح نظرت إلى لجين كانت هزيلة عيناها غائرتان وشيء في نظرتها أخافني. عندها اتخذت قراري.
قلت لزوجتي أنا نازل الشغل.
شغلتها بالكلام خرجت ثم عدت بهدوء وأغلقت الباب دون صوت وصعدت إلى علية المطبخ. جلست هناك قلبي يخفق ويدي ترتجف. لم أكن أعرف ماذا أتوقع لكن إحساسي كان يقول إن هناك شيئا مظلما سيحدث.
في البداية كانت تصرفاتها طبيعية. نظفت البيت رتبت الغرف مسحت الأرض. شعرت للحظة أنني أتوهم. ثم رأيتها تمسك كأسا وتملؤه بالسكر. استغربت لكني صمت.
فتحت درج المطبخ وأخرجت حبلا. عندها شعرت ببرودة تسري في جسدي.
نادت بصوت قاس
لجين تعالي هنا.
جاءت ابنتي وهي تبكي.
قالت لها بحدة اسكتي وإلا
أضربك.
رأيتها تربطها بالحبل وتنيمها على الأرض بجوار عش نمل. ثم وضعت السكر في أنفها. لجين كانت تبكي وتترجى
أرجوكي يا خالتي خلي نملة واحدة بس تدخل.
في تلك اللحظة لم أعد إنسانا. نزلت من العلية كالمجنون. أخرجت المسدس وأفرغت مخزنه في جسدها بلا وعي بلا تفكير.
الصراخ الدم الرائحة كل شيء اختلط.
وانتهى كل شيء إلا العذاب.
لم أشعر بالوقت بعد أن سقط جسدها أرضا. كنت واقفا في مكاني المسدس ما زال في يدي وأذناي تصمان من صوت الرصاص الذي مزق صمت البيت. لجين كانت ممددة على الأرض مقيدة تصرخ بصوت ضعيف بينما النمل بدأ ينتشر حول وجهها الصغير. ركضت نحوها وأنا أصرخ باسمها فككت الحبل بيدين مرتجفتين حملتها بين ذراعي وكنت أصرخ كالمجنون أطلب النجدة.
لم تمض دقائق حتى امتلأ البيت بالشرطة والإسعاف. لم أهرب. لم أفكر في الهرب. كنت أريد فقط إنقاذ ابنتي. أخذوها إلى المشفى بينما قيدوني وطلبوا مني الجلوس. لم أشعر بالإهانة ولا بالغضب. شعرت فقط بفراغ قاتل.
في قسم الشرطة حكيت كل شيء. من أول يوم تزوجت فيه إلى لحظة
اختبائي في علية المطبخ إلى ما رأيته بعيني. لم أحاول تبرير ما فعلت. كنت أعلم أنني قتلت إنسانة مهما كانت جريمتها. لكنني كنت أعلم أيضا أن ما فعلته كان نتيجة رعب لا يحتمله بشر.
في المشفى حاول الأطباء إنقاذ لجين. قالوا إن النمل وصل إلى الدماغ وأكل منه ما أكل. كانت حالتها ميؤوسا منها. قال الطبيب بوجه شاحب
استعد للأسوأ لا أمل في شفائها.
في تلك اللحظة تمنيت الموت. تمنيت لو أن الرصاص الذي أطلقته عاد إلي لا إليها.
بعدها بأيام جاء الطبيب الشرعي. طلبوا مني أن أستمع إلى التقرير. قال إنهم أخرجوا جثتي محمود وسامر للفحص. كنت أرتجف وأنا أسمع التفاصيل.
قال إن محمود الرضيع لم يمت موتا طبيعيا. وجدوا أثر غرز دبوس في أعلى رأسه غرز بعناية في مكان لا يرى بسهولة. أما سامر فقد وجدت آثار تآكل في دماغه بسبب النمل نفس الطريقة.
عندها فقط فهمت. كل شيء أصبح واضحا. ابتسامتها هدوءها صمت الأطفال مرضهم الغامض كل ذلك كان ستارا لشيطان عاش في بيتي وأنا من أدخله بيدي.
حكم علي بالسجن سنتين بتهمة القتل. لم أجادل. لم
أطلب تخفيفا. كنت أرى أن هذا الحكم لا يساوي شيئا أمام ما فعلته أيدي حين وثقت وحين أغمضت عيني.
بعد شهر واحد توفيت لجين.
لم أكن بجوارها. لم أودعها. جاءني الخبر وأنا في الزنزانة. شعرت كأن شيئا انكسر داخلي إلى الأبد. بكيت كما لم أبك في حياتي. ضربت رأسي في الجدار صرخت توسلت لكن لا شيء عاد.
دفنوها بجوار أمها وإخوتها. أربعة قبور متجاورة وأنا حي أتنفس وأتحمل ذنبهم وحدي.
الآن أجلس في السجن المركزي. الجدران باردة والليالي طويلة. كل ليلة أرى وجوههم. محمود بين ذراعي سامر يبتسم ولجين تنظر إلي وتقول
بابا ليه
لا يمر يوم دون أن أراجع كل قرار اتخذته. زواجي سكوتي ثقتي خوفي من المواجهة. كنت أظن أنني أحميهم لكنني كنت أقدمهم للموت خطوة خطوة.
أعلم أن الناس يرونني قاتلا. وربما هم على حق. لم أقتل أطفالي بيدي لكنني قتلتهم بغفلتي وباختياراتي الخاطئة وبثقتي العمياء.
هذا سجني الحقيقي.
ليس القضبان ولا الجدران
بل الذكريات والندم وصوت طفلتي وهي تبكي.
وها أنا أقضي ما تبقى من أيامي بين أربعة قبور في قلبي
أحمل
ذنبا لا يغفره زمن
ولا يخففه حكم.
انتهت

تم نسخ الرابط